5 مهارات إن ربّيتها في طفلك ضمنت له الاستقرار النفسي
إن الاستقرار
النفسي للأطفال ليس هبةً تُمنح صدفة، بل ثمرة مهارات تُزرع منذ الصغر في بيئة
تربوية مسؤولة، فعندما نعمل على تطوير مهارات أساسية في نفس الطفل، نمنحه بذلك
قدرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة واتزان.
في هذا المقال،
نستعرض 5 مهارات جوهرية، مدعومة بأدلة من القرآن والسُّنة، ومصادر تربوية يمكن من
خلالها تربية طفلٍ مستقر نفسيًا وقوي الشخصية.
1- التواصل الفعّال:
التواصل الحق
يُعلّم الطفل التعبير عن مشاعره وأفكاره دون خوف أو تردد، فينشأ وهُو يشعر بأن
صوته مسموع ورأيه محترم.
وتُعزز هذه
المهارة الثقة بالنفس، وتقلّل من التوتر الداخلي للطفل لأنه يعرف كيف يناقش
ويُشارك بدلاً من أن يُكبّت ما في داخله.
وعن أنس بن مالك
قال: كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا،
وَكانَ لي أَخٌ يُقَالُ له: أَبُو عُمَيْرٍ، قالَ: أَحْسِبُهُ، قالَ: كانَ
فَطِيمًا، قالَ: فَكانَ إذَا جَاءَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ
فَرَآهُ، قالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!»، قالَ: فَكانَ يَلْعَبُ
بهِ.
ويرسخ هذا
الحديث قيمة أن التواصل الفعّال مع الطفل يبدأ باحترام عالمه الصغير والاهتمام
بمشاعره، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلِّم أبا عمير درسًا، بل منحه أمانًا
نفسيًا وحوارًا يُشعره بالقيمة والاحتواء.
2- ضبط المشاعر:
الطفل الذي
يتعلم كيف يسمّي مشاعره ويتعامل معها بهدوء يكون أكثر قدرة على الاستقرار النفسي،
إذ تُساعده هذه المهارة على فهم ما يمر به داخليًا، والتحكم بردود فعله بدلًا من
أن تسيطر عليه عواطفه.
النبي صلى الله
عليه وسلم أمرنا بدفع النفس إلى الاعتدال وعدم الغلو في الغضب والتحكم في
الانفعال، قال صلى الله عليه وسلم: «ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما
الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ».
ويؤكد هذا
الحديث أن القوة الحقيقية في التربية ليست في قمع غضب الطفل أو كسره، بل في تعليمه
كيف يفهم مشاعره ويضبطها بهدوء، لأن من يملك نفسه هو القادر على تربية نفسٍ أخرى.
3- الاعتماد على الذات:
الاستقلالية
تجعل الطفل يشعر بأنه قادر ومسؤول عن اختياراته؛ ما يمنحه ثقة داخلية واستقرارًا
نفسيًا، فتعليم الطفل الاعتماد على النفس لا يعني أن نتركه وحده، بل نوجهه ونهيئه
لاتخاذ القرارات المناسبة واحتواء نتاجها.
قال صلى الله
عليه وسلم ناصحًا لابن عباس: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ
اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ
اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ..».
هذا الحديث
يعلّم الطفل أن الاعتماد الحقيقي يبدأ بالله أولًا، ثم بالقدرة على اتخاذ القرارات
بنفسه بثقة، فالطفل الذي يحفظ الله في قلبه وعقله يصبح قادرًا على مواجهة المواقف
واتخاذ خطواته بشكل مسؤول.
4- مهارة حلّ المشكلات:
الطفل الذي
يُعوَّد على التفكير في حلول بسيطة للمواقف المتنوعة يشعر بالقوة الداخلية لأنه
يفهم أن الصعوبات جزء من الحياة وليست تهديدًا.
لذا، فإن تعليم
حل المشكلات يُنمي لدى الطفل المرونة والقدرة على مواجهة التحديات بدلًا من
التراجع والخوف.
كان النبي صلى
الله عليه وسلم يتعمد أحياناً طرح مشكلة ذهنية ليختبر قدرة الصغار والكبار على
الحل، فسأل يوماً: «إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ ورَقُهَا، وإنَّهَا
مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي ما هِي؟».
هذا التمرين
الذهني يعوّد الطفل على أن لكل سؤال (أو مشكلة) جواباً (أو حلاً)، وأن التفكير
الهادئ يوصل للنتيجة.
5- مهارة التقدير الذاتي والتفكير الإيجابي:
الشخص المستقر
نفسيًا هو الذي يرى نفسه جيدًا بذاته، ويدرك قدراته دون غرور أو تقليل من الذات،
فأن تعلم طفلك كيف يرى نقاط قوته، وكيف يتقبل نقاط ضعفه؛ يُشكّل لديه قاعدة ثابتة
لاستقراره النفسي.
يقول رافع بن
عمرو الغفاري: كنت وأنا غلام أرمي نخلاً للأنصار، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم
فقيل: إن ها هنا غلاماً يرمي نخلنا، فأتي بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا
غلام، لِمَ ترمي النخل؟»، قال: قلت: آكل، قال: «فلا ترم النخل، وكُلْ ما يسقط في
أسافلها»، ثم مسح رأسي، وقال: «اللهم أشبع بطنه».
فالنبي صلى الله
عليه وسلم لم يكتفِ بمنعه (النهي فقط)، بل أرشده إلى طريقة بديلة للحصول على ما
يريد (التمر الساقط) دون إيذاء الآخرين، هذا يعلم الطفل أن النقص أو المنع ليس
نهاية الطريق، بل هناك دائمًا حلول مشروعة.
من هنا يتبين أن
تربية الأطفال ليست مجرد رعاية جسدية، بل تنمية مهارات نفسية واجتماعية تُعطيهم
سندًا داخليًا لمواجهة الحياة بثبات وطمأنينة.