5 أسباب وراء تراجع الإسهام الحضاري للمسلمين

عزة مختار

26 مارس 2026

89

ليس من قبيل الترف الفكري أن نطرح ذلك السؤال عشرات، بل مئات المرات حتى نصل لجواب يشفي أمراض الأمة التي تنتظر من يعالجها إنقاذا للبشرية، ذلك السؤال عن أسباب تراجع المسلمين حضاريا بالرغم من وجود المنهج كما أنزل على محمد سيد البشرية صلى الله عليه وسلم؟،

كيف سقطت أمة بعد أن قدمت للبشرية نموذجا متكاملا غير مسبوق في العلم والأخلاق والعمران، إلى حيث الغياب الحضاري بينما العالم في حاجة لمن يعيد توجيه بوصلته بعد أن كادت البشرية أن تهلك نفسها بعيدا عن الدين الخاتم وفي محاربته.

وفي إطار البحث عن جواب نجد القرآن نفسه يضع أيدينا على أصل الداء، فيقول تعالى في معادلة البقاء الحضاري: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، فالدين ليس سبب تخلف الأمة عن مهمتها كما يدعي البعض، وليس السبب هو التآمر الخارجي كما يدعي البعض الآخر، وإنما السبب نابع من داخلها، فلم يجرؤ عدوها على النيل منها إلا حين ضعفت من داخلها، يقول تعالى نافيا تأثير ذلك التآمر إذا استقامت الأمة: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) (آل عمران 120).

يقول د. عبد الكريم بكار: والأمم لا تُهزم من الخارج ما لم تُهزم أولًا من الداخل، وما لم نمتلك شجاعة مراجعة الذات وتصحيح المسار، فسيبقى الآخرون قادرين على التأثير في مسار حضارتنا، وحين يغيب النقد البنّاء ويُستبعد أهل الكفاءة، يصبح الانهيار مسألة وقت، الحضارة لا تُبنى بالنيات الصالحة وحدها، بل بمنظومة عمل تُحاسِب وتُصلِح وتُراجع باستمرار(1)، فإلى أسباب ذلك الضعف والتراجع:

1- انفصال التدين عن الفعل الحضاري:

على مدى التاريخ الإسلامي كله ومنذ اليوم الأول لنزول الوحي بكلمة: (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ) ثم توالي الآيات التي تتحدث عن العلم والتعليم، لم يتوقف الدين عند العبادات المعروفة، بل ظل الإسلام لسنوات بغير تكاليف شرعية محددة ليعمل في اتجاه آخر، وهو التكوين العقدي والنفسي للإنسان الذي سوف يحمل الرسالة ويتحرك بها في الأرض، فتتنزل الآيات متوالية عن قدرة الله عز وجل في خلقه، وبأوامر صريحة ومباشرة للإنسان بالبحث والنظر فيما كل ما هو حوله، فيتكرر لفت الانتباه بقوله تعالى: (أفلا ينظرون) في أكثر من موضع، ثم: (قل سيروا،،، فانظروا) ومثل تلك الآيات والمعاني، لقد كان الدين في عصور الازدهار الإسلامي فعلا وليس مجرد شعائر تعبدية، كان قوة محركة للعلم والإنتاج وتشييد المدارس والجامعات ليبرع المسلمون في الطب والفلك والفيزياء والأدب في الوقت الذي كانت أوروبا فيه ترسف في أغلال الجهل وظلمة التخلف، يقول الأستاذ عبدالعزيز العسالي: لقد أفاقت الأمة في العصر الحديث أمام حضارة مختلفة المنطلق والآليات والغايات، فوجدت أمة الإسلام أنها تعيش في غيبوبة حضارية بامتياز ظلت حتى اللحظة، وتوقفت القيم الإسلامية عن العطاء لأنها انقطعت صلتها بعقيدة التوحيد وأبعادها الحضارية إنسانيا واجتماعيا، فماتت الفاعلية(2).

2- إغلاق أفق الاجتهاد وتجمد العقل:

لقد قامت النهضة الإسلامية الأولى على مبدأ الجرأة المعرفية الناتجة عن علم فقه المقاصد وسعة فهم النصوص، فكانت النتيجة فقه متجدد يواكب كل تطور دون الخروج عن روح النص الشرعي، وفلسفة واعية لا تتعارض مع أصول الدين، بل نابعة منها، وعلوم طبيعية حدثت فيها انطلاقة من باب التعبد وإعمار الأرض، وترجمة واعية يغلفها التفوق الحضاري، لكن كل هذا توقف مع التقليد الأعمى والشعور بالدونية العلمية في الوقت الذي أقرت فيه السنة المطهرة بفرصة التغيير والتجديد المستمر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) (أخرجه أبو داود)، ومع ذلك تحولت فكرة التجديد إلى جمود حتى لم تعد الأمة قادرة على التعايش مع أية مستجدات حضارية، فضلا عن إنتاجها كما كانت دوما، إن إغلاق باب الاجتهاد كان له تبعات أعمق من مجرد تحديد قراءة للنص؛ فهو يحدّ من قدرة الدين على الاستجابة للتغيرات الحياتية والاجتماعية، ويحوّل النص من قوة دافعة إلى نص محفوظ في صورة جامدة. كلما ضاق الاجتهاد، كلما فقد الدين جزءًا من فعاليته الحضارية، وتحولت القيم الكبرى—العدالة، الرحمة، المسؤولية، الحرية—إلى شعارات جامدة على الأوراق، دون أن تتحول إلى أدوات عملية للتغيير في المجتمع(3)، والمحصلة أن توقف الاجتهاد كان نتيجته توقف الابتكار الحضاري

3- غياب قيمة العدل في معظم المجتمعات المسلمة:

لا تزدهر حضارة أو تنشأ من الأساس في بيئة ظلم طويل، وقد ربط القرآن بين الظلم وهلاك الأمم والمجتمعات، فقال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) (الكهف: 59)، ويقول سبحانه: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) (الحج 45)، وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)، وفي السنة النبوية تأكيدا على قيمة العدل وأهميته للفرد والمجتمع، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (رواه مسلم)، وقال الماورديّ رحمه الله: إنّ ممّا تصلح به حال الدّنيا قاعدة العدل الشّامل، الّذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطّاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النّسل، ويأمن به السّلطان، وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنّه ليس يقف على حدّ، ولا ينتهي إلى غاية، ولكلّ جزء منه قسط من الفساد حتّى يستكمل(4).

4- أزمة الأخلاق:

يقول الحق تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء 16)، الحضارة ليست نصوصا أخلاقية، بل هي منظومة من السلوكيات التي يجب ممارستها بشكل يومي حتى تصير حالا للأمة، منها إتقان العمل، والأمانة في التعامل بين الناس، واحترام الوقت باعتباره هو عمر الإنسان ورصيد عمله، والثقة العامة بين الناس باعتبار الأخوة وليس المصلحة، حتى إذا تراجعت عنها الأمة فتراجعت حضارتها، لتكون الخلاصة أن حضارة بلا أخلاق، هي عملية انتحار لتلك الحضارة حتما

5- غياب المشروع الحضاري الجامع:

إن الأمم الفاعلة تملك رؤية حضارية واضحة، أين هي؟، ماذا تريد أن تكون؟، ومتى؟، وما الذي يمكن أن تقدمه للعالم، أما اليوم، فالكثير من المجتمعات الإسلامية تتأرجح بين استهلاك الحداثة بكل ما تحمله من هوية زائفة لا تمثل الأمة ولا تاريخها، وبين الماضي الذي قطعت علاقتها بروحه وفقهه، وذلك دون وجود مشروع معاصر متماسك واضح المعالم، لقد حدد القرآن وظيفة الأمة التي بعثت من أجلها، وهي وظيفة كل أمة حتى إذا بدلت استبدلها الله بغيرها تقوم بها، فيقول تعالى: (لتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143)، والشهادة تقتضي الحضور والتفوق والريادة، والأمة اليوم سمتها الغياب الحضاري، فلا يشهد غائب على حاضر، إن الأمة اليوم متشرذمة لا تجمعها فكرة رائدة، ولا مشروع موحد، بل هي جزر متفرقة يعمل كل منها بمنأى عن الآخرين فأنى لها بفعل حضاري مؤثر؟

إن التأخر الحضاري الذي يعانيه العالم قبل أن يعانيه المسلمين هو نتيجة طبيعية لتعطل طاقات الأمة الأساسية وهي: الدين المحرك، والاجتهاد، والأخلاق العملية، والرؤية التاريخية، ولذلك فإن التداول الحضاري سنة ربانية عادلة كي لا تغفل الأمة عن مهمتها: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، فإذا نجحت الأمة في استعادة تلك الطاقات وفعلتها وفق المنابع الإسلامية، فسوف تنجح كذلك وبتفوق في إعادة الإسهام الحضاري وتوجيه العالم نحو تعاليم جديدة سوف تنقذه حتماً.

الهوامش
  • 1 أسباب تراجع الحضارة الإسلامية للدكتور عبدالكريم بكار بتاريخ 30 نوفمبر 2025.
  • 2 قيمنا الحضارية من فاعلية التوحيد إلى غيبوبة التدين الحضاري بتاريخ العاشر من مايو 2019 بموقع الإصلاح نت.
  • 3 من كتاب: تحرير المعنى: نحو قراءة معاصرة للقرآن وتفكيك الجمود العقلي للكاتب المغربي محمد بوفتاس.
  • 4 أدب الدنيا والدين للماوردي، ص 141.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة