5 أسباب لكثرة دعاء النبي ﷺ في غزوة «بدر»
في يوم الجمعة
17 رمضان 2هـ، خرج النبي صلّى الله عليه وسلم مع أصحابه لملاقاة المشركين في «بدر»،
وقد شاء الله تعالى أن يقع القتال بين الفريقين، وقد استخدم النبي صلى الله عليه
وسلم في هذه المعركة سلاح الدعاء والاستغاثة بالله تعالى، حيث وقف بين يدي ربه
متضرعاً، يناشده العون والنصر، وتتبين مظاهر الاستغاثة النبوية الشريفة في المواقف
الآتية:
1- ليلة المعركة:
في مسند أحمد
بسند صحيح عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا
لَيْلَةَ بَدْرٍ، وَمَا مِنَّا إِنْسَانٌ إِلا نَائِمٌ، إِلا رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ، وَيَدْعُو
حَتَّى أَصْبَحَ»، وروى ابن حبان عن علي أنه قال: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله
عَلَيه وسَلم لَمَّا أَصْبَحَ بِبَدْرٍ مِنَ الْغَدِ أَحْيَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ
كُلَّهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ».
2- قبل المعركة:
في سنن أبي داود
بسند حسنه الألباني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِ مِائَةٍ
وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ
إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ،
اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ»، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ «بَدْرٍ»،
فَانْقَلَبُوا حِينَ انْقَلَبُوا، وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ
بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا.
3- أثناء المعركة:
في صحيح البخاري
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ «بَدْرٍ»: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ
وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَأَخَذَ
أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَلْحَحْتَ عَلَى
رَبِّكَ، وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ
الدُّبُرَ {45} بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر).
وفي صحيح مسلم
عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ
نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ
وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا،
فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ
مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي،
اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ
مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ
بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ
عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى
مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ
مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: (إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ
الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال: 9).
وعن سعيد بن
منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم فركع ركعتين
وقام أبو بكر عن يمينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته: «اللهم لا
تودع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تتركني، اللهم أنشدك ما وعدتني».
وعند ابن إسحاق
أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب
رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني»، وعند الطبراني بإسناد حسن عن بن مسعود قال ما سمعنا
مناشداً ينشد ضالة أشد مناشدة من محمد لربه يوم «بدر»: «اللهم إني أنشدك ما
وعدتني» (فتح الباري لابن حجر، 7/ 288).
أسباب كثرة دعاء النبي في غزوة «بدر»
1- طلب المدد والنصر:
ففي دعائه صلى
الله عليه وسلم نجد أنه يناشد ربه أن يعينه وينصره، ولهذا أمده الله بالملائكة
وأجرى له النصر، حيث قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ
{9} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا
النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال).
2- الشفقة على الصحابة وتقوية قلوبهم:
قال الخطابي قد
يشكل معنى هذا الحديث على كثير من الناس، وذلك إذا رأوا نبي الله صلى الله عليه
وسلم يناشد ربه في استنجاز الوعد، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يسكن منه فيتوهمون
أن حال أبي بكر بالثقة بربه والطمأنينة إلى وعده أرفع من حاله، وهذا لا يجوز قطعاً،
فالمعنى في مناشدته صلى الله عليه وسلم وإلحاحه في الدعاء الشفقة على قلوب أصحابه
وتقويتهم إذ كان ذلك أول مشهد شهدوه في لقاء العدو وكانوا في قلة من العدد والعدد،
فابتهل في الدعاء وألح ليسكن ذلك ما في نفوسهم إذا كانوا يعلمون أن وسيلته
مقبولة ودعوته مستجابة، فلما قال له أبو بكر مقالته كف عن الدعاء إذ علم أنه
استجيب له بما وجده أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة حتى قال له هذا القول. (عمدة
القاري شرح صحيح البخاري، 14/ 193).
وقال النووي:
هذه المناشدة إنما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ليراه أصحابه بتلك الحال فتقوى
قلوبهم بدعائه وتضرعه، (شرح النووي على مسلم، 12/ 85).
3- المشاركة في الجهاد:
قال السهيلي:
سبب شدة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ونصبه في الدعاء لأنه رأى الملائكة تنصب
في القتال والأنصار يخوضون غمار الموت والجهاد تارة يكون بالسلاح وتارة بالدعاء،
ومن السُّنة أن يكون الإمام وراء الجيش؛ لأنه لا يقاتل معهم، فلم يكن ليريح نفسه
فتشاغل بأحد الأمرين وهو الدعاء. (فتح الباري لابن حجر، 7/ 289).
4- الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:
أعد النبي
العدة، واستشار أصحابه في الخروج والمكان الذي يقاتلون فيه، وأعدوا العدة وجهزوا
الخطة العسكرية، لكن هذا وحده غير كاف لتحقيق النصر، بل لا بد من الاستعانة بالله
سبحانه وتعالى واللجوء إليه، ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم الليل، ودعا ربه
واستغاث به.
5- ترسيخ معنى الدعاء والتضرع في أوقات الشدائد:
الناظر في دعائه
صلى الله عليه وسلم يجد أنه لم يشك في نصر الله له، بل إنه يدعو في هذا الوقت
العصيب ليرسخ في الأمة قيمة الدعاء واللجوء إلى الله تعالى في الأوقات العصيبة؛ (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي
الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء: 67).
اقرأ ايضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً