4 قواعد تحفظ تماسك المجتمع وقت الحرب
الحروب والمحن والنوازل لا تختبر قوة الدول والجيوش وحسب، وإنما تختبر البنية الأخلاقية والاجتماعية التي تحكم المجتمعات خلال حقب طويلة، فالحروب قد تدمر الجسور والمباني والمؤسسات والبنى التحتية على أعلى تقدير، لكن الكارثة الكبرى أن تصنع تصدعات اجتماعية تهدر الثقة البينية، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتبدل المعايير التي تنظم العلاقات بين الناس،
ومن هنا يصبح مصطلح (التماسك المجتمعي) مفهوما
مركزيا ورئيسيا ويعني: قدرة المجتمع ومؤسساته على حفظ تماسكه الداخلي وضبط
انفعالاته وحفظ مجموعة القيم والأخلاق التي تحكمه بالرغم من ضغوط الاحتياج والخوف
من ندرة الموارد،
ولقد مثل مجتمع المدينة الأول
النموذج الأمثل للتعايش في ظل أزمات ومحن كبيرة مر بها المجتمع المسلم الوليد بما
يكفي لأن تتعلم الأمة كيف تكون الحياة في ظل المحنة، وكيف تتحول لمنحة ربانية لاكتساب
المزيد من القوة والتماسك وترسيخ قيم الأخوة بين المسلمين، فما هي هذه القواعد
التي حافظت على مجتمع تعرض لأقسى أزمات الحروب والحصار والتآمر في فجر الرسالة:
1 ـــ بناء الثقة
المجتمعية (المؤاخاة نموذجا)
تذكر السيرة النبوية المشرفة،
أنه بمجرد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يبدأ بتعبئة عسكرية تنظم
صفوف المجاهدين كي يشعر المجتمع بأمان وقوة، وإنما أسس لفكرة أخرى لم تكن تعرفها
المجتمعات من قبل، وهي تقوية الروابط الاجتماعية، فآخي بين المهاجرين والأنصار
ليدمج الجميع تحت ظلال هوية واحدة، وفكرة واحدة، وشريعة واحدة، كان الخطب شديدا
حين خرج المهاجرون بغير مالهم، مفارقين ديارهم وأهليهم وذكرياتهم لأرض غريبة
مطاردين مقهورين، فكان الإجراء النبوي الفريد، بدأ ببناء المسجد الذي كان يمثل
دارا للحكم وملتقى للمسلمين وقاعة اجتماعات لاتخاذ القرارات الكبرى، فألف بينهم،
وجعل لهم أهلا بدلاء، (وتذكر لنا مصادر السيرة أسماء بعض الذين آخى بينهم النبي
صلى الله عليه وسلم، فقد آخى بين أبي بكر وخارجة بن زهير، وآخى بين عمر بن الخطاب
وعتبان بن مالك، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، وبين الزبير بن العوام
وسلامة بن سلامة بن وقش، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وبين مصعب بن عمير وخالد
بن زيد رضي الله عنهم أجمعين، وأسماء أخرى بلغت تسعين صحابيًّا)[1]،
والملاحظ في هذه المؤاخاة
أنها لم تضع اعتبارا للقبلية، أو الفروق الاجتماعية، وإنما كان الدين هو العامل
الوحيد فيها، لقد كانت الدولة الوليدة في محن متتالية، محن يلزمها صف داخلي قوي،
وجبهة متماسكة، وليس كعاطفة الأخوة شيء يمكن أن تجمع بين الناس وتدفعهم للتكافل
والعمل والانتاج، (لقد عرض سعد على أخيه عبد الرحمن بن عوف نصف ماله ليأخذه، بل
خيَّره بين إحدى زوجتيه كي يطلِّقها لأجله، فشكر له عبد الرحمن صنيعه وأثنى على
كرمه، ثم طلب منه أن يدلّه على أسواق المدينة، ولم يمرّ وقتٌ قصير حتى استطاع عبد
الرحمن بن عوف أن يكون من أصحاب المال والثراء)[2]،
ولذلك مدحهم الله عز وجل قائلا: (وَالَّذِينَ
تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر9)، وقال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنصار
لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق؛ فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه
الله) (رواه البخاري)
2 ـــ إدارة وتوجيه
الخوف المجتمعي (درس الخندق)
مثلت غزوة الأحزاب مشهدا
عظيما مما يمر بالأمة اليوم، فها هي الحرب تدور رحاها دون رحمة، تكاد تطال كل أرض عربية، ففي غزوة الأحزاب، واجه
المسلمون تحالفا عسكريا هائلا، وصف القرآن حالة النفسية التي مر بها المسلمون وقد
كان بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (إذْ
جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا *
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدا)
(الأحزاب10/11)، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح بتمكن الخوف من النفوس، ومن
قلب الشدة يبشر المسلمين بالفتح العظيم، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ
فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول ثم
قال: بسم الله، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام،
والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب أخرى، فكسر
ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر
قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر،
فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا) (رواه
أحمد)، إنه لا بأس من الاعتراف بالخطر، لكن دون تهويل أو تهوين، مع حسن التصرف
والتماس السلامة، والأمل في نصر الله رغم المحنة والشدة
3
ــــــ ضبط الشائعات (حادثة الإفك)
أخطر ما يصيب المجتمعات زمن
الحرب ليس الرصاص بل الشائعات، حيث يتداول الناس أخبارا من مصادر غير رسمية، تحمل
في باطنها تخويفا كبيرا، حيث يشاع أن هناك ندرة في السلع مثلا، أو أن الأسعار سوف
ترتفع بشكل مبالغ فيه، أو أن فلانا قد قتل، أو العدو قد تمكن، وما إلى ذلك من
الشائعات التي تثير البلبلة والشك في المجتمع وتهدد الجميع بسوء المآل،
وفي التاريخ الإسلامي حادثة
شقت قلب المجتمع المسلم تولى كبرها رأس المنافقين حين ادعى على أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها أمرا يمس شرفها ودينها، وهي ذات الشرف والدين، ليضع القرآن قاعدة
أخلاقية مشددة حين يتعرض أحد المسلمين لتلك الهزة العنيفة، تلك القاعدة هي: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) (النور: 12)،
إن تلك الحادثة مثلت درسا
قويا للمسلمين على مواجهة الفتن، (لقد كانت معركة خاضها رسول اللّه ﷺ وخاضتها
الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلّها أضخم المعارك التي
خاضها رسول اللّه ﷺ … والآلامُ التي تناوشهُ لعلّها أعظم الآلام التي مرّت به في
حياته، والخطرُ على الإسلام من تلك الفرية من أشدّ الأخطار التي تعرّض لها في
تاريخه)[3]،
ففي مواجهة المحن العامة يجب أن يتحلى الجميع بالصبر، وضبط النفس، وحفظ اللسان،
والحذر من مكائد العدو
4
ـــ الصبر لا الاستسلام (أبو بكر يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم)
عندما علم الصحابة بموت رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كاد المجتمع أن يدخل في صدمة تهدد وجوده وإيمانه، فقد
فزع الناس، ووقف عمر بن الخطاب يهدد ويتوعد من يقول بوفاة النبي، حتى قام أبو بكر
الصديق رضي الله عنهم أجمعين خطيبا: (أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا
قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية : "وما
محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن
ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين" [آل عمران 144])
(رواه البخاري)،
هذا الموقف الثابت من خليفة
النبي صلى الله عليه وسلم أعاد للناس صوابهم، ووضع الحقيقة أمام عيني عمر بن
الخطاب فأيقن بوفاة النبي، لكن وفاته عليه الصلاة والسلام ليست هي النهاية، فالله
باق لا يموت، والدين باق ويحتاج من يحمله ويتحرك به، لحظة ثبات واحدة لرجل من
المسلمين يمكن أن تعيد للمجتمع كله ثباته وقت المحنة والزلزلة، فكن أنت ذلك الرجل
فالأمة التي تحمي نسيجها
الاجتماعي في زمن العاصفة، تخرج من الحرب أقل خسارة، وأكثر استعدادًا لبناء
المستقبل
[1] المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار للدكتور راغب السرجاني بموقع قصة الإسلام
بتاريخ 26مارس 2012
[2] المصدر السابق
[3] في ظلال القرآن 4/2501 بتصرف
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً