3 خسائر يحققها الكسل

الكسل، الموت البطيء، والقضاء على كل عيش هنيء، والقتل بسكين دون حد للشفرة، والغزو في عقر الدار، والهلاك لساكن الديار، والاقتلاع من الجذور، والرمي بعيداً دون الرجوع، والدفن بلا عودة، فلا قيمة لحياة ترهقها قترة، فخطر الكسل شديد وخسائره عديدة تتضح فيما يلي:

أولاً: خسارة الدنيا:

الكسل مرض خطير إذا تمكن من إنسان أضر دنياه إذ يفقد الكسول مع مرور الوقت إنسانيته، ويضعف ذكاؤه، فمن تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار في عداد الموتى، وذلك أن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة.

فإياك والكسل والضجر! فإنك إن كسلت لم تؤد حقًّا، وإن ضجرت لم تصبر على الحق؛ لأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله يبطل، كالعين إذا أغمضت، واليد إذا عطلت؛ وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس بترك النظر والتفكر تتبلد وتتبله، وترجع إلى رتبة البهائم(1).

فالكسل يمنع الأعضاء من أداء دورها في الحياة، وإذا تعطلت الأعضاء فلن يجد الإنسان ما يأكله ولا ما يلبسه، ولا ما يقدمه لغيره، ولا ما يتقدم به لنفسه وبالتالي يخسر الدنيا وما فيها.

فأي عيش لمن ‌ساكن ‌الكسل إذا رأى أقرانه قد برزوا في العلم وهو جاهل، أو استغنوا بالتجارة وهو فقير؟! فهل يبقى للالتذاذ بالكسل والراحة معنى(2)؟

ولمواجهة أضرار الكسل كان الصالحون يكرهون التلفظ بها، ففي مصنف ابن أبي شيبة، عن سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس يكره أن يقول: إني ‌كسلان.

وذلك أن التلفظ بالكسل يؤدي إلى جناية العبد على نفسه؛ لأن بالتلفظ يقوى داعي هوى النفس فيثبطها عن أداء ما كلفت به من أمور دنياها.

ولم يكن الكسل سبباً في خسارة الدنيا من الأفراد، بل الملوك كذلك، سئل بعض البرامكة عن سبب زوال دولتهم، قال: نوم الغدوات وشرب العشيات(3).

ثانياً: ضعف العبادة:

العلاقة بين العبادة والكسل علاقة عكسية، فكلما زاد الكسل ضعفت العبادة، وكلما نشط المسلم للعبادة زاحم الكسل وأبعده وقلل من خطره، فالمسلم الذي ركن إلى الكسل وهنت عبادته، ففي البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة؛ عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس ‌كسلان».

ومقتضى قوله: «وإلا أصبح» أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثاً كسلان، وإن أتى ببعضها وهو كذلك لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة، فمن ذكر الله مثلاً كان في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلاً، فإن قام فصلى انحلت العقد كلهن، وإن استيقظ ولم يتوضأ ولم يصلِّ أصبحت العقد كلها كهيئتها، وهذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها(4).

فما ضيع العبادة سوى الكسل، لهذا قال ابن عباس: لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الكسل(5).

وآفة الكسل أنه كلما لازم المسلم زادت أوزاره عند ربه، ذلك أن التعبد يثقل على أهله كثقله في الميزان، والكسل يخف على أهله كخفته في الميزان(6).

ولما كان الكسل سبباً في ضعف العبادة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه في كل أحواله، ففي البخاري عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة: ‌التمس ‌غلاماً من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة مردفي، وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل، فكنت أسمعه كثيراً يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال».

حتى قال عمرو بن عفان المكي: لقد علم الله نبيه ما فيه الشفاء وجوامع النصر وفواتح العبادة، فقال سبحانه: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت)(7).

ثالثاً: اتخاذ سبيل المنافقين:

لو لم يكن من صفة ملازمة للمنافقين سوى الكسل لكفى المسلم الحقيقي سبباً في الابتعاد عن هذه الصفة، لأن الله تعالى بيَّن أن من صفات المنافقين الكسل، فقال سبحانه: (وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة: 54).

وقد أجلى الله سبحانه سوء عاقبة المنافقين فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) (النساء: 145)، والمنافق بطبيعته يريد أن يُحمد بما لم يفعل، وأن يُشار إليه بالبنان وإن لم يقدم عملاً، وأن يسابق الصفوف وإن لم يكن أهلاً لها.

ولهذا، بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من صفات المنافقين التخلي عن مواطن الشدة في الطاعات، ففي البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من ‌الفجر ‌والعشاء».

فوقت الفجر والعشاء شديد على المنافقين، فهم لا يعملون إلا في أوقات الرخاء حيث تشتمل أفعالهم على الرياء، فلا يشغلهم حضور الملائكة لعبادتهم، مرادهم رؤية الناس لتصرفاتهم، فلا حصاد لأفعالهم عند الله تعالى، ففي حلية الأولياء عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كما لا يُجتنى من الشوك العنب لذلك لا ينزل الأبرار ‌منازل ‌الفجار فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله».

فمن سلك طريق المنافقين كان مصيره مصيرهم جهنم وبئس المهاد، ومن خاف من طريق المنافقين كان جزاؤه جنة نعيم.

فالخوف من النفاق يقضي على الغفلة ويكشف كل زلة ويدفع المسلم للعمل ويحارب الكسل، فقد كان لعمر بن عبدالعزيز أخ يقال له: سالم، فلما استخلف دعاه ذات يوم فأتاه، فقال له: يا سالم، إني أخاف ألا أنجو، قال: إن ‌كنت ‌تخاف فنعما، ولكني أخاف ألا تخاف(8).

وقد أظهر شقيق البلخي الحد بين فعل المؤمن والمنافق فقال: مثل المؤمن كمثل رجل غرس نخلة وهو يخاف أن تحمل شوكاً ومثل المنافق كمثل رجل ‌زرع ‌شوكاً وهو يطمع أن يحصد تمراً هيهات، كل من عمل حسناً فإن الله لا يجزيه إلا حسناً، ولا ينزل الأبرار منازل الفجار(9).


اقرأ أيضا

5 طرق للتخلص من الكسل

الفراغ والكسل موت بطيء


الهوامش
  • 1 الذريعة إلى مكارم الشريعة، للأصفهاني، ص 269.
  • 2 صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص 314.
  • 3 روض الأخيار: محمد بن قاسم الحنفي (1/ 387).
  • 4 فتح الباري، ابن حجر العسقلاني (3/ 26).
  • 5 قوت القلوب، أبو طاهر المكي (1/ 138).
  • 6 ربيع الأبرار: الزمخشري (3/ 402).
  • 7 تاريخ بغداد (14/ 136).
  • 8 حلية الأولياء (5/ 329).
  • 9 صفة الصفوة (2/ 239).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة