3 أعمال تجعلك رفيق النبي ﷺ في الجنة
تتوق أرواح
المؤمنين إلى زمنٍ لم تشهده، زمنٍ كانت فيه الأرض تتنفس الوحي، والسماء قريبة
بكلمات النبوة، يراود كل مسلم صادق ذلك الحنين العذب: لو أني كنت هناك! حيث الطهر
والعفاف، وحيث الجهاد والفتوحات، وحيث تقرّ العين برؤية النبي صلى الله عليه وسلم،
ومن لم ينل شرف الرؤية يقظة، بات يرجوها في المنام، ليفخر برؤيا يملأ بها دنياه،
ويستشعر من خلالها أنه سلك درب الأبرار.
ولكن، لعلّ في
تدبير الله حكمة؛ فقد أوجدنا في هذا الزمان لنحمل راية الدين في أوقات الشدة، وهي
مهمة عظيمة توازي في شرفها صحبة الدنيا، وإن كان باب الصحبة قد أُغلق بموته صلى
الله عليه وسلم، فإن باب المرافقة في الجنة لا يزال مشرعاً لكل راغبٍ مجتهد، فكيف
السبيل لضمان تلك المعية الأبدية؟
أولاً: كمال الاتباع.. البرهان العملي للمحبة:
المحبة في عُرف
البشر تظل ادعاءً حتى تُصدقها الأفعال، فكل إنسان يملك رفاهية القول بأنه يحب، لكن
الاختبار الحقيقي يكمن في الامتثال، نحن جميعاً ندعي حب النبي صلى الله عليه وسلم،
ونشتاق لرفقته، لكن الصادقين هم قلة ممن يترجمون هذا الشوق إلى اتباع دقيق لمنهجه.
يقول تعالى في
ميزان المحبة: (قُلْ إِن
كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: 31)،
ويربط سبحانه بين الطاعة والمرافقة فيقول: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) (النساء: 69).
فالآخرة هي
الحصاد لما يُزرع في الدنيا؛ فمن زرع طاعةً واتباعاً وأخلاقاً، حصد جنةً ورضواناً،
وعن عبدالله بن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله، كيف ترى في رجل أحب قوماً ولمَّا يلحق بهم؟ فقال: «المرء مع من أحب» (رواه
مسلم)، وعن أنس أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: «وما
أعددت لها؟»، قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: «أنت مع من أحببت» (رواه
البخاري).
ثانياً: كفالة اليتيم.. جسر القرب النبوي:
من أسمى القربات
لمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم في الخلد كفالة اليتيم؛ ذاك العمل الذي لا ينهض
به إلا من امتلأ قلبه باليقين والخلق الرفيع، فاليتم قسوة، واليتيم ضعف، وجبر
الخواطر المنكسرة من شيم النبلاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل
اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبَّابة والوسطى وفرَّجَ بينهما» (رواه البخاري).
لذا، حرص
الإسلام على صون كرامة اليتيم وحمايته من القهر؛ فقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا
تَقْهَرْ) (الضحى: 9)، قال ابن كثير: كما كنت يتيماً فآواك الله فلا تقهر
اليتيم؛ أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه(1)، وعن أبي هريرة قال
صلى الله عليه وسلم: «كافل اليتيم له أو لغيره وأنا وهو كهاتين في الجنة» (رواه
مسلم)، وقوله: «له أو لغيره» يشمل القريب كالأم أو الجد، أو الأجنبي عنه(2).
ثالثاً: لهج اللسان بالصلاة على النبي:
المحب لا يمل من
ذكر محبوبه، والاشتياق يُترجم إشادةً وثناءً، ومن أظهر علامات استحقاق الرفقة
النبوية أن يطيب لسانك بكثرة الصلاة عليه في كل حين.
عن عبدالله بن
مسعود قال صلى الله عليه وسلم: «أولى الناس بي يوم القيامة، أكثرهم عليَّ صلاة» (رواه
الترمذي)، وقد عظّم الله أجر هذه الصلاة فجعلها بعشرة أمثالها، كما في حديث أبي
هريرة: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» (رواه
مسلم).
إن الصلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم امتثال لأمر إلهي عظيم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيماً) (الأحزاب: 56)، ويشرح ابن كثير هذا المعنى بقوله: إن الله
سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، ثم أمر أهل العالم
السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين جميعاً(3).
إن رفقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ليست أمنية تُنال بالأماني، بل هي مرتبة علية تحتاج إلى عملٍ دؤوب، وإيمانٍ يصدقه الاتباع، لقد فاتتنا صحبته في الدنيا، وهذا قدرٌ لا راد له، ولكنّ تعويضها في الآخرة متاح لمن طرق الأبواب المذكورة بقوة ويقين، فلنكن من أهل الطاعة، وكفالة اليتامى، وكثرة الصلاة والسلام عليه، عسى أن نكون ممن يقال لهم يوم القيامة: أنت مع من أحببت.
اقرأ أيضا