10 مقاصد للصيام في الإسلام

للصيام مقاصدُ جليلة، وآثارٌ نبيلة، تنعكس على صفاء النفس وإشراقة الوجه، وله ثمارٌ دنيويةٌ وأخروية، عاجلةٌ وآجلة، وهو بحق شهرُ الغنيمة الباردة، التي ينال فيها المؤمن أجورًا عظيمة بثوابٍ يتجاوز الأعمار، ويعجز عن إحصائه العدّ والحساب.

ومعرفةُ أسرار التشريع وحِكَمه ومقاصده تورث الطمأنينة، وتزيد العبد إقبالًا على العبادة؛ إذ كلما أدرك الغاية من التكليف ازداد تزودًا، وقوي عزمًا، وأدى العبادة عن وعي وبصيرة.

ويمكن إجمال هذه المقاصد السنية في الإشارات الربانية المستخلصة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وذلك على النحو الآتي:

الأول: الامتثال لخطاب الشارع:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183).

فأول مقاصد الصيام تحقيق العبودية الخالصة بالامتثال لأمر الله تعالى؛ تعبدًا وانقيادًا.

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند اللهِ عزَّ وجلَّ من ريحِ المسك، قال الله عز وجل: عبدي ترك شهوته وطعامه وشرابه ابتغاء مرضاتي، والصوم لي وأنا أجزي به» (رواه أحمد).

فالامتثال هنا خالصٌ لله، قائمٌ على ترك المألوف ابتغاء مرضاته.

الثاني: تطهير النفس وتهذيبها:

الصيام مدرسة لتزكية النفس، وتخليصها من أمراضها المعنوية: كالأنانية، والكِبْر، والغضب، والتعلق المفرط بالشهوات.

فهو يربي المسلم على الصبر، ويعينه على مجاهدة نفسه، ويكسر حدّة الشهوة، ويغرس في قلبه التواضع والخضوع لله تعالى.

وفي الصيام مساواةٌ ظاهرة؛ إذ يجوع الغني كما يجوع الفقير، فيتجرد الجميع نهارًا من مظاهر الترف والتمييز.

الثالث: استشعار النعم وشكر المنعم:

كم من نعمةٍ لا ندرك قدرها إلا إذا فقدناها ولو مؤقتًا!

وقد نبّه إلى هذا المعنى الإمام سعيد النورسي رحمه الله، فبيّن أن صيام رمضان مفتاح شكرٍ حقيقيٍّ خالص، لأن الجوع يُعرّف الإنسان بقيمة النعم التي ألفها حتى غفل عنها.

فكسرة الخبز التي لا يلتفت إليها الشبعان، تصبح عند الجائع نعمةً عظيمة، ومن هنا يتحقق الشكر المعنوي العام.

الرابع: مواساة أهل الحاجة:

من الحكم الاجتماعية للصيام: إشعار الأغنياء بحال الفقراء، وحملهم على مدّ يد العون والمواساة.

وقد أكد النورسي أن الجوع الطريق العملي لاستشعار ألم الفقير، وأن الشفقة الإنسانية المغروسة في الفطرة لا تتحرك كاملةً إلا إذا ذاق الإنسان ألم الحاجة.

فالصيام يوقظ الضمير الاجتماعي، ويؤسس لرحمةٍ عمليةٍ لا نظرية.

الخامس: اغتنام مواسم المغفرة:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، «ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه)، فهذه فرص عظيمة لمغفرة الذنوب.

وقد أفرد الحافظ ابن حجر العسقلاني رسالةً لطيفة نافعة بعنوان «الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة»، ذكر فيها خصالًا عديدة تُنال بها المغفرة.

السادس: قطع العوائد وكسر سلطان الشهوة:

الصيام يقطع العوائد، ويضيّق مجاري الشهوات، ويُعلّم الإنسان القدرة على التحكم في رغباته.

قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام جُنّة»؛ أي: وقايةٌ وسترة.

وفي الحديث: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (متفق عليه)؛ فهو تدريبٌ عملي على الانضباط الخلقي، وضبط الانفعال، وإصلاح السلوك.

السابع: إصلاح ذات البين وصلة الأرحام:

فرمضان موسمُ صفاءٍ ومصالحة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا» (رواه مسلم).

فكيف بموسمٍ تُفتح فيه أبواب الجنان كل ليلة، ويُنادى فيه: يا باغي الخير أقبل؟!

الثامن: تسكين النفس عن الشهوات:

قال صلى الله عليه وسلم: «إذا كانت أول ليلة من رمضان صُفدت الشياطين، ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة» (رواه ابن ماجه، والترمذي، وغيرهما).

فالصيام يُعين النفس اللوامة على الانتصار، ويخفف من سلطان الشيطان، ويفتح أبواب التوبة.

التاسع: الفوائد الصحية:

ثبت طبيًا أن الصيام -إذا أُدِّي باعتدالٍ ووفق الضوابط الشرعية والطبية- قد يحقق فوائد صحية، منها:

  • إراحة الجهاز الهضمي وتنظيم وظائفه.
  • تحسين حساسية الأنسولين وتنظيم سكر الدم.
  • دعم وظائف الكبد في الاستقلاب.
  • المساعدة في ضبط ضغط الدم والكوليسترول.
  • تقليل الالتهابات ودعم المناعة.

مع التنبيه إلى أن أصحاب الأمراض المزمنة أو الحالات الخاصة يُرجع في شأنهم إلى أهل الاختصاص، إذ قد يكون الصوم مضرًّا ببعضهم، وقد رخّص الشرع لهم بالفطر رفعًا للحرج.

العاشر: الفرح بالجائزة:

قال صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان: فرحةٌ حين يفطر، وفرحةٌ حين يلقى ربه» (رواه البخاري).

فهو فرحٌ عاجل بإتمام النعمة، وفرحٌ آجل بلقاء الله ونيل الجزاء.

هذه عشرةٌ كاملة من مقاصد الصيام، تتجلى فيها حكمته التربوية، وأبعاده الاجتماعية، وآثاره الإيمانية والصحية، وهي معانٍ قد يغفل عنها بعض الناس، فإذا تذكروها ازدادوا إقبالًا، وإذا استحضروها ازدادوا بصيرةً وتلذذًا بالطاعة؛ (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الجمعة: 4).


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة