10 قواعد لحماية نفسية الأطفال أثناء الحروب

عزة مختار

21 مارس 2026

600


لا يتوقف أثر الحروب والصراعات على الجيوش فيقتل من يقتل، ويعاق من يصاب، بل هي زلزال اجتماعي يضرب معظم فئات المجتمع لا سيما الطفل الذي ينبغي أن ينمو في فضاء اللعب والتعلم والرفاهية ودفء الأسرة ليجد نفسه فجأة محاصرا بين أصوات الرصاص وقصف الصواريخ

 وتصرح اليونيسيف بأنه: (يعيش أكثر من طفل واحد من بين كل ستة أطفال في العالم حالياً في مناطق متأثرة بالنزاعات، ويُجبرون على مواجهة انتهاكات فظيعة في وقت يشهد فيه العالم أكبر عدد من الصراعات منذ الحرب العالمية الثانية، الأطفال لا يبدؤون الحروب، بيد أنهم يتحملون وطأتها الأشد)[1]

الآثار النفسية للحرب على الأطفال

ولا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، إذ تؤكد الدراسات النفسية أن التعرض المستمر للعنف قد يترك آثارا طويلة المدى على النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، بما في ذلك اضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة،

تقول الدكتورة (إيمان ممتاز)، أخصائي الصحة النفسية: (إن الحروب تعد من أكثر الأحداث قسوة وتأثيرًا على المجتمعات، مشيرة إلى أن الأطفال غالبًا ما يكونون الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف الصعبة، نظرًا لعدم امتلاكهم القدرة الكاملة على فهم ما يحدث حولهم أو التعامل مع الضغوط النفسية الناتجة عن العنف والخوف وفقدان الشعور بالأمان، وأن التوتر المستمر قد يؤثر كذلك على قدرة الطفل على التركيز والتعلم، ما ينعكس سلبًا على أدائه الدراسي وتفاعله داخل البيئة التعليمية، وفى بعض الحالات، قد تتطور هذه التأثيرات إلى مشكلات نفسية طويلة المدى)[2]

 وبالرغم من قسوة الحروب وبشاعتها، إلا أنه حتى في أحلك الظروف الإنسانية، تستطيع الأسر أن تبني درعا وسياجا حول أطفالها يقلل من وطأة تلك التأثيرات عليهم ليخرجوا منها بأمان نفسي، وفيما يلي عشر قواعد أساسية تسهم في صون نفسية الطفل وحمايته في زمن النزاعات:

1 ـــــ ترسيخ الإحساس بالأمان داخل الأسرة

الأسرة هي المحضن الدافئ، وخط الدفاع والحصن النفسي الأول للطفل، فعندما يشعر الطفل بأن والديه حاضران وقادران على احتوائه، يتراجع مستوى الخوف لديه حتى وإن كانت البيئة الخارجية شديدة الاضطراب، يقول د(محمد جمال) استشاري طب نفس الأطفال والمراهقين، لبي بي سي: (من المهم أن نسأل الأطفال عن مشاعرهم ونساعدهم على التعبير عنها، حتى لو بالصراخ والبكاء دون الخروج عن حدود اللياقة)[3]، مع التصديق على هذه المشاعر من أجل الحفاظ على الصحة النفسية لأطفالنا

2 ــ تقليل التعرض لمشاهد العنف

وقد يكون من الصعب عزل الأطفال تماما عن المشاهد اليومية خاصة إذا كانوا في قلب الحدث ويشاهدون ويسمعون بأنفسهم أصوات القصف، لكن تستطيع الأسرة أن تنأى بأطفالها على أقل تقدير من متابعة النشرات الإخبارية والقنوات التي تعرض الحدث على مدار الساعة، كذلك يمكن غلق النوافذ بمواد عازلة للصوت ما استطاعوا لذلك سبيلا، هذا في حال لم تستطع الأسرة التوجه لداخل البلاد للابتعاد عن الأماكن الخطر، فعقل الطفل يستطيع التخزين بصورة معمقة لكنه في ذات الوقت لا يملك القدرة على التحليل واستيعاب الأحداث

3 ـــ الحفاظ على الروتين اليومي

مثل الحفاظ على مواعيد الصلاة، وتناول الطعام والشراب والدراسة إن كانت متاحة ومراجعة الدروس والقراءة الحرة والورد القرآني للأسرة

4 ـــ الحوار الصادق مع الأطفال

الأطفال يدركون التوتر من حولهم، لكنهم غالبا لا يعرفون السبب، فالحديث الصريح ببساطة تناسب عقل الطفل يقلل التوتر، بينما الصمت يزيد من مخاوف الطفل لشعوره بأن هناك كارثة يخفيها الكبار، وقد شدد الطب النفسي (على أن الأطفال حتى عشر سنوات "لابد أن يتم شرح الأمر لهم باعتدال مع تبسيط الشرح قدر الإمكان واستخدام أساليب تتماشى مع هذا السن مثل الأسلوب القصصي)[4]

5 ـــ الانتباه المبكر للصدمات النفسية

يجب أن تنتبه الأسرة وهي الطرف الأقرب والمسؤول عن الطفل للصدمات النفسية مبكرا قبل أن يستفحل الأمر خاصة إذا كانت علاماتها واضحة مثل:

الكوابيس المتكررة

التبول اللاإرادي

الانسحاب الاجتماعي

نوبات الغضب المفاجئة

وكلما تم التعامل مع هذه الأعراض مبكرا، كان التعافي أسرع وأكثر فاعلية

6 ـــ استمرار التعلم بوسائل بديلة

وقد تتوقف العملية التعليمية المعتادة بذهاب الطفل أو المراهق للمدرسة كل يوم، لكن حتى لو حدث ذلك فيجب إيجاد بدائل مثل الدراسة أون لاين، أو توفير معلمين بشكل خاص، فذلك مما يدعم حالة الأمل والاطمئنان لدى الأطفال

7 ـــ تعزيز شبكة العلاقات الاجتماعية في حدود الأمان الأسري

وجود الأصدقاء والأقارب يمثل شبكة دعم نفسية مهمة. وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن الأطفال الذين يحافظون على علاقاتهم الاجتماعية أثناء الأزمات يتعافون نفسيا بصورة أسرع

ولهذا فإن الحفاظ على التواصل العائلي والاجتماعي يساعد الطفل على إدراك أنه ليس وحيدا في مواجهة الخوف

8 ــ تجنب خطاب الكراهية ـ

 الطفل ما زال في مرحلة التربية والتكوين العاطفي والعقلي، ويتعلم القيم والأخلاق من خلال الكبار، إما بتوجيههم المباشر، وإما بتصرفاتهم التي لا ينتبهون لها أمام الأطفال من خلال الاقتداء بهم، ولذلك يجب أن ينتبه الآباء ليعلموا أطفالهم التفريق بين رفض الظلم وبين الوقوع في فخ الكراهية العمياء

9 ــ توفير مساحات للعب

واللعب في حياة الطفل ليس ترفا، وإنما هو وسيلة ناجعة كعلاج نفسي له، وقد لاحظ علماء النفس أن الأطفال يعبرون عن مخاوفهم عبر اللعب مما يساعدهم على استيعاب التجربة المؤلمة

10 ـــ غرس الأمل داخل نفوس الأطفال

الأمل عنصر أساسي في التوازن النفسي للطفل، فالطفل الذي يشعر بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل يكون أكثر قدرة على تجاوز الصدمات

ومن هنا فإن الحديث عن المستقبل، وعن إمكانية إعادة بناء الحياة بعد الحرب، يساعد الطفل على الحفاظ على توازنه النفسي والوجداني

دروس تربوية من التاريخ الإسلامي

لم يكن الاهتمام بالطفولة في زمن الأزمات فكرة حديثة، بل نجد جذورها في التجربة الإسلامية المبكرة، فكانت الرحمة بالأطفال أثناء الحروب بالنهي عن قتل النساء والصبيان، وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم نفسية الأطفال وأمهاتهم حتى في الظروف العادية، فقال عليه الصلاة والسلام: (إني لأقوم في الصلاة فأريد أن أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) (رواه البخاري)، وكان عليه الصلاة والسلام يمازح الأطفال ويلاطفهم تقديرا لمشاعرهم واعترافا بها، إن مسؤولية حماية الأطفال نفسيا ليست مسؤولية إنسانية فقط، بل هي مسؤولية حضارية سوف ينبني عليها المستقبل القريب، وإذا كانت الحروب قادرة على تدمير المدن، فإن التربية الواعية قادرة على إنقاذ الإنسان، وحماية الطفولة من أن تتحول إلى ضحية دائمة لصراعات الكبار

 



[1] موقع اليونيسيف تحت عنوان أطفال تحت القصف (الأطفال يتعرضون لهجمات في مناطق النزاع في جميع أنحاء العالم، ولا يمكننا قبول هذا الوضع العادي الجديد الفتاك

[2] في حوار بجريدة المصري اليوم تحت عنوان تأثير الحروب على الأطفال بتاريخ الثامن من مارس 2026

[3] في حوار مع بي بي سي عربي بتاريخ السابع من مارس 2026

[4] المصدر السابق

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة