زلزال سياسي واجتماعي في قلب واشنطن..

10 عواصف داخلية يمكن أن تطيح بترمب بسبب الحرب على إيران

جمال خطاب

16 أبريل 2026

198

مع اندلاع الحرب ضد إيران، تتصاعد أزمة سياسية ثقيلة في قلب واشنطن، يمكن أن تتحول إلى زلزال داخلي حقيقي يهز أركان البيت الأبيض، فوفقاً لاستطلاع حديث لمركز «بيو»، فإن أكثر من 62% من الأمريكيين يعارضون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة مع طهران، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون للملفات الاقتصادية والصحية الداخلية.

وينعكس هذا الانقسام الشعبي الأمريكي الخطير مباشرة على الكونغرس، حيث حذّر خبراء مثل البروفيسور ستيفن والت، من جامعة هارفارد، من أن أي حرب طويلة الأمد مع إيران ستستنزف الشرعية السياسية للرئيس دونالد ترمب وتفتح الباب أمام موجة احتجاجات داخلية غير مسبوقة.

وتزيد الأرقام الاقتصادية المشهد قتامة؛ إذ تشير بيانات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط تجاوزت 6 تريليونات دولار منذ عام 2001م، وهو ما يثير مخاوف من أن أي تصعيد جديد سيضاعف العجز الفيدرالي ويضغط على الأسواق.

وفي الوقت نفسه، يرى محللون في «فورن أفيرز» أن الانقسام بين المؤسسات الأمنية والإعلامية حول جدوى الحرب يمثل عاصفة داخلية يمكن أن تعصف بترمب وإدارته، هذه المعطيات، إلى جانب تراجع شعبية الرئيس في استطلاعات الرأي إلى ما دون 40%، تبين أن قرار الحرب مع إيران كان مقامرة سياسية كبرى، يمكن أن تطلق عواصف داخلية، سنناقشها فيما يلي، تهدد بإنهاء حقبته وتقويض إرثه السياسي.

1- تصدّع جدار الشعبية واختلال الميزان الانتخابي:

تُظهر استطلاعات الرأي الأحدث في الولايات المتحدة أن شعبية ترمب تشهد تراجعاً ملحوظاً مع تصاعد الحرب على إيران؛ إذ سجلت نسبة الموافقة على أدائه أقل من 40%، فيما تجاوزت نسبة الرفض 56%، وفق استطلاعات «سي إن إن»، و«كوينيبايك».

ويزداد هذا التراجع خطورة في الولايات المتأرجحة مثل بنسلفانيا وميتشيجان، حيث تشير التحليلات إلى أن تحوّلاً بسيطاً لا يتجاوز 2 - 3% بين الناخبين المستقلين قد يقلب نتائج أي استحقاق انتخابي قادم، ومع ارتفاع أسعار الوقود والتضخم المرتبط بتكاليف الحرب، يتعمق تصدّع جدار الشعبية الترمبية ليختل الميزان الانتخابي لصالح خصومه.

2- نزيف اقتصادي وتضخم هائل:

روج ترمب لنفسه بوصفه مهندس الرخاء الاقتصادي، لكن الحرب مع إيران اقتلعت هذه الرواية من جذورها، فالحروب الحديثة ثقوب سوداء تبتلع الميزانيات؛ حيث أدى ارتفاع الإنفاق العسكري الطارئ، تزامناً مع اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الوقود.

وقد أطلقت الحرب مع إيران نزيفاً اقتصادياً واسعاً في الداخل الأمريكي، إذ ارتفعت النفقات العسكرية الطارئة بشكل كبير، فيما تسببت اضطرابات أسواق الطاقة العالمية في صعود أسعار الوقود إلى مستويات غير مسبوقة، وقد انعكس هذا الارتفاع مباشرة على التضخم الذي تجاوز 6%، وفق تقديرات مراكز بحثية، مع تسجيل أسعار البنزين لزيادة بأكثر من 20% خلال شهر واحد فقط، والنتيجة تراجع القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء بنسب تتراوح بين 8 و12%.

في ظل هذه الأرقام، يتهاوى خطاب ترمب حول الرخاء الاقتصادي، ويتحوّل إلى مجرد شعار فارغ أمام واقع معاناة معيشية يومية.

3- عودة شبح التوابيت:

عاد شبح التوابيت ليغزو المجتمع الأمريكي، فالخسائر البشرية تمثل في الوعي السياسي الأمريكي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه دون عواقب قاسية، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 60% من الأمريكيين يعتبرون سقوط الجنود في الخارج سبباً رئيساً لإعادة النظر في دعم أي إدارة، ومع عودة التوابيت المغطاة بالعلم الأمريكي، تتجدد جراح العراق وأفغانستان، ويزداد الضغط على ترمب الذي يعتمد على قاعدة انتخابية تضم عائلات العسكريين والمحاربين القدامى، كل تقرير عن ضحايا الحرب يتحول من مجرد رقم إلى عبء أخلاقي وسياسي، يغذي التشكيك في جدوى الحرب ويجعل استمرارها بمثابة انتحار سياسي بطيء لإدارة ترمب أمام ناخب قلق ومستاء.

4- الاستقطاب الحزبي وشلل «الكابيتول»:

لقد تحولت الحربمع إيران إلى ساحة مواجهة سياسية داخلية في واشنطن، حيث انتقلت المعركة من ميادين القتال إلى قاعات الكونجرس، فوفقاً للاستطلاع الأخير لمعهد «جالوب»، فإن نسبة الثقة في قدرة الحكومة الفيدرالية على إدارة الأزمات الكبرى تراجعت إلى أقل من 35%، وهو مؤشر خطير على عمق الانقسام المؤسسي، هذا الاستقطاب الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل وحتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، أدى إلى حالة من الجمود التشريعي؛ إذ تعطلت مشاريع القوانين المتعلقة بالأمن القومي والاقتصاد بسبب رفض المعارضة تمرير أي مبادرات مرتبطة بالإدارة.

خبراء مثل ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، يؤكدون أن غياب التوافق الوطني في لحظة حرب يضعف صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى ويجعلها تبدو ككيان مشلول، ومع استمرار الانقسامات، تتفاقم المخاوف من أن واشنطن لم تعد قادرة على صياغة إستراتيجيات موحدة؛ ما يعكس عزلة سياسية للرئيس ويضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في آن واحد.

5- المقصلة القانونية وتصاعد ضغوط الرقابة:

اتسمت رئاسة ترمب بسلسلة لا تنتهي من المعارك القضائية، وجاءت الحرب مع إيران لتضيف بُعداً دستورياً جديداً لهذا الصراع، فالمقصلة القانونية باتت أحد أخطر التحديات التي تواجه إدارة ترمب في ظل الحرب مع إيران، إذ انتقلت المعركة من ساحات القتال إلى ساحات القضاء والرقابة.

فبحسب تقرير لمعهد «بروكنز»، فإن أكثر من 70 دعوى قضائية رُفعت ضد قرارات الإدارة في السنوات الأخيرة؛ ما يعكس حجم الاستنزاف القانوني، ومع تصاعد الحرب، أصبحت قرارات التفويض العسكري محل تدقيق شديد من جماعات الرقابة مثل «American Civil Liberties Union»، التي ترى أن الرئيس تجاوز صلاحياته الدستورية في إعلان العمليات العسكرية دون موافقة الكونجرس.

هذا الضغط القانوني لا يقتصر على الداخل؛ فخبراء القانون الدولي، مثل مايكل شيفتر، يؤكدون أن تجاهل الأطر الدستورية يضعف صورة الولايات المتحدة أمام المجتمع الدولي ويقوض شرعية قراراتها، ووفق استطلاع لـ«رويترز»/«إبسوس»، فإن 58% من الأمريكيين يعتقدون أن الإدارة لا تحترم الضوابط القانونية في قراراتها الأمنية، وهكذا، يتحول البيت الأبيض إلى ساحة دفاع قانوني مستمر؛ ما يضعف قدرته على صياغة قرارات إستراتيجية ويظهره ككيان غارق في الملاحقات القضائية أكثر من كونه مركز قيادة عالمي.

6- انتحار عقيدة «أمريكا أولاً»:

بنى ترمب علامته السياسية على وعد جوهري؛ إنهاء الحروب العبثية والتركيز على الداخل، الحرب مع إيران تمثل نقضاً صريحاً لهذا الوعد، وتكشف عما يصفه النقاد بالتناقض البنيوي في أجندة ترمب.

عقيدة «أمريكا أولاً» التي شكّلت العمود الفقري لخطاب ترمب السياسي تبدو اليوم وكأنها تنهار تحت وطأة الحرب مع إيران، فقد وعد الرئيس ناخبيه بإنهاء الحروب العبثية والتركيز على الداخل، لكن الانخراط في نزاع جديد مع قوة إقليمية يُنظر إليه من قبل كثيرين على أنه خيانة لهذا الوعد.

ووفق استطلاع لمركز «بيو»، فإن 59% من الأمريكيين يرون أن الأولوية يجب أن تكون للسياسات الداخلية لا للتدخلات العسكرية، وهو ما يضع ترمب في مواجهة مباشرة مع قاعدته الانتخابية، فخبراء مثل جوزيف ناي يؤكدون أن الانغماس في حرب طويلة الأمد يقوض شعار «أمريكا أولاً» ويعيد واشنطن إلى عقلية المؤسسة التقليدية التي وعد ترمب بكسرها، هذا التناقض البنيوي يفقده هويته السياسية الفريدة، ويجعله يبدو جزءاً من المؤسسات التي طالما هاجمها؛ ما يضعف قدرته على الحفاظ على تحالفاته الشعبية ويهدد بتآكل رصيده السياسي في الداخل.

7- زلزال انتخابات التجديد النصفي والتحول الجغرافي:

التداعيات السياسية للحرب لن تقف عند حدود الرئاسة، بل ستمتد لتضرب العمق التشريعي الأمريكي، فبحسب بيانات تقرير «كوك» السياسي، فإن الولايات المتأرجحة مثل بنسلفانيا وميتشيجان وويسكونسن تشهد تراجعاً ملحوظاً في شعبية الجمهوريين، حيث أظهر استطلاع لـ«سي إن إن»/«إس إس آر إس» أن 54% من الناخبين في هذه الولايات يعتبرون الحرب مغامرة غير ضرورية، هذا المزاج الشعبي يضع المرشحين الجمهوريين في مواجهة خطر فقدان مقاعدهم؛ ما قد يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الانتخابية لصالح الديمقراطيين.

خبراء، مثل لاري ساباتو من جامعة فيرجينيا، يؤكدون أن أي انتخابات وسطية تتحول إلى استفتاء على الحرب ستُضعف الحزب الحاكم بشكل جذري، وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس ستجعل ترمب في وضع «البطة العرجاء»، عاجزاً عن تمرير تشريعات أو اتخاذ قرارات مصيرية؛ وهو ما يعكس تحوّلاً جغرافياً وسياسياً قد يطيح بمرتكزات نفوذ الحزب الجمهوري في واشنطن.

8- صراع الحريات وتغول الدولة الأمنية:

تاريخياً، ارتبطت الحروب في الولايات المتحدة بتوسيع صلاحيات المراقبة وتقليص الحريات المدنية، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى المجتمع الأمكيي في ظل الحرب مع إيران، فوفقاً لتقرير الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، فإن الإجراءات الأمنية المشددة بعد أحداث 11 سبتمبر أدت إلى أكثر من 200 حالة انتهاك موثقة لحقوق الأفراد، وهو ما يعيد إلى الأذهان مخاوف من تكرار السيناريو ذاته اليوم.

وقد أظهر استطلاع لمعهد «جالوب» أن 61% من الشباب الأمريكيين يعتبرون أن الحكومة الفيدرالية تتجاوز حدودها في ممارسات الأمن القومي؛ ما يعكس فجوة ثقة عميقة بين الجيل الجديد والسلطة التنفيذية، فخبراء مثل نعوم تشومسكي يرون أن التوازن بين الأمن والحرية يتعرض لانهيار خطير كلما توسعت صلاحيات الدولة في أوقات الحرب، هذه المعطيات تجعل من الصراع مع إيران ليس مجرد مواجهة خارجية، بل معركة قانونية واجتماعية داخلية، حيث تتحول شوارع أمريكا إلى ساحة جدل حول معنى الحرية وحدود السلطة، في مشهد يهدد بتآكل العقد الاجتماعي الأمريكي ذاته.

9- القصف الإعلامي وتآكل الكفاءة القيادية:

أصبح القصف الإعلامي أحد أخطر التحديات التي تواجه إدارة ترمب في ظل الحرب مع إيران، حيث تحولت العلاقة المتوترة مع وسائل الإعلام الكبرى إلى ساحة مواجهة يومية، فبحسب تقرير لكلية هارفارد كينيدي، فإن 68% من التغطيات الإعلامية المتعلقة بالسياسة الخارجية للإدارة اتسمت بطابع سلبي، مع تركيز خاص على الفوضى في التخطيط والانقسامات داخل فريق الأمن القومي.

هذا التناول الإعلامي يعزز انطباعاً عاماً بعدم الكفاءة، وهو ما تؤكده استطلاعات «جالوب» التي أظهرت أن ثقة الأمريكيين في القيادة التنفيذية تراجعت إلى أقل من 40%، في عصر التواصل الاجتماعي، تنتشر صور الإخفاقات بسرعة البرق؛ ما يصعب على الإدارة إعادة صياغة روايتها الرسمية.

خبراء الإعلام، مثل جاي روزن، يرون أن الهيبة الرئاسية تتآكل عندما تصبح الإدارة مادة يومية للسخرية السياسية، وهكذا، يتحول الإعلام إلى سلاح إستراتيجي مضاد، يضعف صورة القيادة ويجعل من الرئيس هدفاً دائماً للهجوم الممنهج، الأمر الذي يقوض قدرته على إدارة الحرب داخلياً وخارجياً.

10- الانهيار الأخلاقي في الساحة الدولية وفقدان القيادة:

يمثل الانهيار الأخلاقي في الساحة الدولية أحد أخطر التداعيات للحرب مع إيران، حيث فقدت الولايات المتحدة الكثير من رصيدها لدى حلفائها التقليديين في أوروبا وآسيا، وأظهر تقرير لمركز «بيو» للأبحاث أن نسبة الثقة العالمية في القيادة الأمريكية تراجعت إلى 34% فقط، وهو أدنى مستوى منذ عقدين، هذا التراجع في الاحترام الدولي ينعكس داخلياً في شكل قلق شعبي متزايد؛ إذ يرى 57% من الأمريكيين، وفق استطلاع «رويترز»/«إبسوس»، أن قرارات الإدارة لا تخدم المصلحة الوطنية، بل تزيد من أخطار تعرض البلاد لهجمات أو عزلة.

ويؤكد خبراء العلاقات الدولية، مثل توماس رايت، أن فقدان المصداقية الدولية يضعف قدرة واشنطن على قيادة التحالفات ويجعلها تبدو كقوة مترددة في لحظة تحتاج فيها إلى إظهار الحزم، وهكذا، يتحول شعار فن التفاوض الذي تباهى به ترمب إلى نقطة ضعف، حيث يظهر الرئيس في صورة الزعيم المعزول، فاقداً القدرة على الحفاظ على موقع القيادة العالمية في وقت تتطلب فيه الأزمات الدولية وضوحاً وقوة أكبر.

وهكذا تحولت الحرب مع إيران من مجرد اختبار خارجي، إلى عامل حاسم كشف هشاشة البنية السياسية تحت قيادة ترمب، فالأزمات الاقتصادية التي انعكست على حياة المواطن الأمريكي، حيث أظهر استطلاع «جالوب» أن 64% من الأمريكيين يعتبرون أن الحرب زادت من الضغوط على مستوى المعيشة، ترافقت مع استقطاب سياسي غير مسبوق في الكونغرس، أدى إلى تعطيل التشريعات الحيوية، هذا التآكل الداخلي ترافق مع انهيار الوعود الانتخابية التي شكلت جوهر شعار «أمريكا أولاً»؛ ما جعل قطاعات واسعة من الناخبين تشعر بالخيانة السياسية.

ويرى خبراء، مثل فرانسيس فوكوياما، أن المغامرات الخارجية غالباً ما تكون أسرع الطرق لانتحار داخلي، وهو ما يتجسد اليوم في واشنطن حيث تتجمع كل عناصر العاصفة الكاملة؛ من اقتصاد مضطرب، وانقسام سياسي، وفقدان المصداقية الدولية، وضغوط قانونية متصاعدة، هذه العوامل مجتمعة لا تهدد فقط عرش ترمب، بل قد تطيح به من المشهد السياسي الأمريكي، لتظل الحرب مع إيران شاهداً على أن الانخراط في نزاعات خارجية قد يكون أقصر الطرق نحو الانهيار الداخلي.

اقرأ أيضا:
باحثون صهاينة: الحرب لم تُحدث تغييراً جوهرياً في مواقف إيران

ترمب شن الحرب على إيران دون خطة

الهوامش
  • 1 Council on Foreign Relations (CFR)
  • 2 The New York Times / Washington Post
  • 3 Brookings Institution
  • 4 Gallup Polls
  • 5 Congressional Research Service (CRS (
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة