هل يمكن أن يستمر الخليج هكذا؟!
سؤال لربما
يتبادر إلى ذهن المراقب، أو من يهمه أمر الخليج، بل سيأتي من داخل بلدان الخليج،
وبخاصة بعد الحروب: هل يمكن أن يستمر الخليج اليوم على ما هو عليه قبل الحرب؟!
بمعنى آخر؛ هل سيستفيد الخليج، حكومات وشعوباً، مما مر بهم من حروب، ويبحثون عن
رؤية واضحة موحدة؟
ذلك سؤال جوهري
وفي صلب الواقع الحالي، وقد يكون سؤالاً محورياً، حيث ليس هناك بلد لم يتغير بعد
الحرب سلباً أم إيجاباً، بل الأقرب السلب لا الإيجاب، إذن والحال هذه، فلا شك أن
هناك تغيراً جذرياً سيطال الخليج، ولكن ماذا لو لم يلتفت الخليج إلى التغيير، ويظل
يراوح مكانه دون تغيير؟! ما من شك ستكون المصيبة عظيمة، لا نعلم إلى أين تتجه!
يقول ربنا: (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 43)، فالمآسي والكرب والمحن والابتلاءات والعقوبات، أياً
كانت لا بد أن توعي ضمير الإنسان، وبخاصة المسلم، فينظر ويحلل ويغير من نفسه
وبيئته ودولته وواقعه لما يرضي الله تعالى!
ونحن اليوم نعيش
كارثة حربية بكل المقاييس، ولا ندري هل هي ابتلاء أم عقوبة! وسواء بسواء، لا بد من
التضرع والنظر في أحوالنا وتغيير ما نحن عليه، فيقول ربنا تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى: 30)، فلا بد من التضرع ومعرفة أن الله يعفو عن كثير من ذنوب
بني آدم، ولكن لا بد من الإنابة المجتمعية والتضرع والتوبة.
من هنا، نقول:
هناك نقاط أساسية لا بد من التنبه لها:
1- ظاهرة اجتماعية:
تعيش كثير من
بيوتات وعوائل المجتمع الخليجي، في راحة وتنعم، وأمن وأمان، مما أنعم الله تعالى
علينا من النفط وغيره، والحمد لله، وهناك اليوم، من يفرط بهذه النعمة، ويفرض على
نفسه كثيراً من مظاهر الخداع التي يتبعها التبذير، والتبديد للنعم، وعيش التنعم
المفرط، والزهد في النعم، دون مراعاة لحاجات الآخرين، وتصوير كل هذا في الإعلام
المرئي، وإظهار البطر على الشاشات، وغير ذلك مما هو معروف، مما يفقد الوعي بروح
النعمة وفضل الله وكأن النعم تدوم!
وتلك ظاهرة
سلبية، لا نشك في ذلك، هذا النمط الاستهلاكي، والمدمر والزائد عن الحد، ينبغي أن
يخفف، ويؤطر وفق (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن
كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7)، والكفر هو كفر النعمة والبطر الزائد والتبذير على كل
المستويات.
وهذا من الظواهر
التي يجب تبدلها، وتغيرها، في النفوس أولاً، وفي الواقع الاجتماعي ثانياً، ويكون
الانطلاق من النظرة الدينية لهذا الواقع، وأن سُنة الله لا تحابي أحداً، فلا بد من
التغيير!
2- خطاب ديني:
وهنا لا بد من
القول بقصور الخطاب الديني العام والرسمي، من التصدي لمثل هذه المواقف، وأن يغير
من نبرته، ومن مواضيعه، ويحد من صراعاته مع المختلف، فالأمر بحاجة إلى يقظة
إيمانية دائمة، بعيداً عن الورع البارد، والخطاب المنوم، بل لا بد من التوعية
بالسنن الإلهية، والتركيز على سنن الإهلاك والظلم والبعد عن شرع الله، وتجنيد
القلوب للتطلع إلى الله وحده مع أخذ الأسباب المادية، والتعلق به وحده سبحانه،
وذكر ما في قصص النبيين والصحابة وغيرهم، وكيف أن من بطر بالنعم أزيلوا، وجاءهم
الخوف والجوع كما في كتاب ربنا!
3- جبهة عالمة:
مشكلتنا اليوم
ضياع الفتوى، وقلة العلماء الذين يعتمد عليهم في النوازل الكبرى، فيلجأ الناس لمن
يعتبرونه مفكراً، أو عالماً، وهو في النهاية لم تتبين عنده كل أمور الشريعة
وضوابطها، ولم يكتمل نموه تحت ظل العلماء، فيكون الإفتاء من نظر قاصر عن الرؤية
الشمولية للواقع والشرع!
وهنا لا بد من
النظر من الحكومات، ووضع جبهة عالمة لا تحابي ولا تحسب على أحد، وتعطَى الصلاحيات
في هذا الجانب، تعظ وتفتي وفق الفتوى الجماعية لا الواحدة!
4- تشكيل وعي:
معركة الوعي
طويلة ومستمرة، لا أعني مع المثقفين، فقد اختار كثير منهم درباً غير دربنا،
واصطفافاً مع عدو ضد آخر، ولكني أعني الطبقة الاجتماعية العامة، فهؤلاء قد يشكلون
وعياً مجتمعياً أنت تحتاجه في النهضة والمعركة الفكرية والعقدية! وهنا يأتي دور
المفكرين، والعلماء والإستراتيجيين، واستخدام كل وسائل الإعلام، واختيار الفئات
الناصحة العالمة المتخصصة.
5- صراع عقدي:
علينا أولاً أن
ندرك أن المنطقة واقعة تحت عدد من المشاريع المتضاربة والمتقاطعة، فالمشروع الغربي
واضح للعيان، وتكلم فيه كثير من الكتَّاب، وهو يريد إخضاع المنطقة لفكره، وتشذيب
أظافر الأمة، والاستيلاء على ثرواتها مع ضرب البنى الفكرية والعقدية لها، والمشروع
الصهيوني يتحرك اليوم، وفق أجندة دينية ونظرية «إسرائيل الكبرى»، مع توظيفه لنصوص
التوراة وتحريك الظاهرة الدينية واستغلالها وتوظيفها! وإيران وضح مشروعها منذ
بداية الثورة وولاية الفقيه، وطبقت كل ذلك في الدول الأربع العراق وسورية ولبنان
واليمن!
فإذا كانت
المشاريع عقدية، وهي تتقاتل على النفوذ وتتصارع على الموارد، بتوظيف دينها، فلا بد
من وجود مشروع عقدي للأمة برمتها.
6- فلسطين قضية أمة ودين:
نعم، فهي ليست
قضية فصيل أو جبهة أو جماعة، بل هي قضية الأمة كلها، ذلك أنها أرض مسلمة اغتصبها
عدو غاشم بمساندة الدول الكبرى، هذا فضلاً عن وجود الأماكن المقدسة مثل المسجد الأقصى
وغيره، والشام موطن النبوات، وموطن معارك آخر الزمان.
هذه رسالة إلى
حكومات الخليج باختصار:
1- ضرورة إيجاد
وخلق العقيدة العسكرية للشعوب بالطرق الرسمية المعلومة.
2- الدين محرك،
فلا بد من الاهتمام به وجعله في الصدارة.
3- معرفة العدو
الداخلي والخارجي.
4- الاتحاد
والتنسيق بين دول الأمة، شيئاً فشيئاً.
5- الانفتاح على
العالم الإسلامي.
6- الاهتمام
بالشباب فقد أثبتوا جدارة لا نظير لها فهم السور والدرع الواقي للدول.
7- المصالحة مع
الشعوب.
8- إبعاد
المنافقين والمطبلين، وتقريب العلماء والمفكرين وأولي الاختصاص.
9- عيش الجد
الدائب والابتعاد عن الترف وهدر المال والوقت والطاقات في التوافه والحفلات
وغيرها.
10- فتح مراكز إستراتيجية.
11- تكوين جيش
قوي يتمكن مستقبلاً من الاستقلالية، والدفاع عن الأمة.
ونسأل الله أن
يلهمنا الرشاد والثبات ويوفق الأمة للعمل بالشريعة والاهتمام بالدين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً