هل يشترط الصوم للاعتكاف؟
من العبادات
العظيمة التي شرعها الإسلام ودعا إليها الاعتكاف، وقد حافظ عليه النبي صلى الله
عليه وسلم، حيث كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وكذلك أزواجه وأصحابه رضي الله
عنهم أجمعين.
والاعتكاف عبادة
لها شروطها وأحكامها الفقهية، وقد اختلف الفقهاء في مسألة اشتراط الصوم لصحة
الاعتكاف، تبعاً لاختلافهم في النظر إلى النصوص الواردة بشأنه، ويتبين ذلك فيما
يأتي:
القول الأول: وجوب الصوم مع الاعتكاف:
إذ لا يصح
الاعتكاف إلا بصوم، وبه قال أبو حنيفة في رواية الحسن عنه، ومن مشايخ الحنفية من
اعتمد هذه الرواية، وهو مذهب المالكية، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة
بن الزبير، والزهري، والأوزاعي، والثوري، وهو قول قديم محكي عن الشافعي، قالوا: لا
يصح الاعتكاف إلا بصوم.
وقال القاضي
عياض: وهو قول جمهور العلماء، والصوم عند المالكية ركن للاعتكاف كالنية وغيرها.
واستدلوا بحديث
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا اعْتِكَافَ
إِلَّا بِصِيَامٍ» (رواه الحاكم، والبيهقي).
وبأن النبي صلى
الله عليه وسلم اعتكف هو وأصحابه صياماً في رمضان، وعن ابن عمر عن عمر أنه «سَأَلَ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اعْتِكَافٍ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ
أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ» (رواه أبو داود، والنسائي).
والذي ذكر عن
أبي حنيفة في رواية الحسن عنه في وجوب الصوم مطلقاً مع الاعتكاف لم يكن هو المعتمد
في المذهب كما في «الدر المختار» و«حاشية ابن عابدين»، و«الفتاوى الهندية»..
وغيرها، فإنهم قالوا: إن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف المندوب. (الموسوعة الفقهية
الكويتية، 5/ 214).
القول الثاني: عدم اشتراط الصوم للاعتكاف:
ذهب الشافعية
والحنابلة إلى أنه لا يشترط الصوم للاعتكاف مطلقاً، سواء أكان واجباً أم مندوباً،
فالصوم ليس شرطاً للاعتكاف عندهم ولا ركناً فيه.
وبه قال الحسن
البصري، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، فلو اعتكف
صائماً ثم أفطر عامداً بغير عذر لا يبطل اعتكافه، ولا شيء عليه، لصحة اعتكافه بغير
صوم، واحتجوا لما ذهبوا إليه بحديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف
العشر الأول من شوال» (رواه مسلم)، وهذا يتناول اعتكاف يوم العيد، ويلزم من صحته
أن الصوم ليس بشرط، واحتجوا أيضاً بحديث عمر أنه نذر أن يعتكف ليلة، فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (رواه البخاري) (الموسوعة الفقهية
الكويتية، 5/ 213).
ووجه الدلالة في
حديث الوفاء بالنذر أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أَذِنَ لِعُمَرَ بالاعتكافِ
ليلًا، ومعلومٌ أنَّ اللَّيلَ لا صَومَ فيه، فلو كان الصَّومُ شَرْطًا في صحَّةِ
الاعتكاف، لَمَا صَحَّ اعتكافُ اللَّيلِ؛ لأنَّه لا صيامَ فيه. (التمهيد: ابن عبدِ
البَرِّ، 11/ 200).
قال ابن قدامة:
ولأن الاعتكاف عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة تصح
في الليل، فأشبه سائر العبادات، ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح
فيه نص، ولا إجماع. (المغني، 3/188).
وقد أكد ابن حجر
جواز الاعتكاف بغير صوم. (فتح الباري، 4/ 276).
أفضلية الصوم مع الاعتكاف
أكد الفقهاء أن
جواز الاعتكاف من غير صوم لا يعني أفضليته، بل الأفضل هو الاعتكاف مع الصوم.
قال ابن القيم:
ولمَّا كان هذا المقصود إنَّما يتمُّ مع الصَّوم، شُرِع الاعتكاف في أفضل أيَّام
الصَّوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم ينقل عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
أنَّه اعتكف مفطرًا قطُّ، بل قالت عائشة: «لا اعتكافَ إلا بصومٍ»، ولم يذكر الله
سبحانه الاعتكاف إلا مع الصَّوم، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع
الصَّوم. (زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/ 107).
وتظهر أفضلية
الصوم مع الاعتكاف فيما يأتي:
1- الاقتداء
بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الصوم والاعتكاف.
2- الصوم يعين
على تحقيق المقصود من الاعتكاف، وهو صفاء القلب والانقطاع عن شهوات الدنيا.
3- الجمع بين
عبادتين عظيمتين أولى من الاقتصار على واحدة، فالصوم والاعتكاف من العبادات التي
يعظم أجرها وثوابها، والجمع بينهما أفضل من الإفراد، من أجل تحصيل ثوابهما.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً