ثمَّ كذَّبوك يا محمد ﷺ (6)

هل يتحدث اللحم؟!

مصطفى المكبر

29 أبريل 2025

1574

هل يتحدث اللحم؟!

قلنا: إن اليهود جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم تارة، وعاندوه أخرى، وتطاولوا عليه ثالثة، ولأن الخبث خلة متأصلة في نفوسهم، وممتدة في تفاصيل حياتهم، فلم يكن الجدل والعناد والتطاول فحسب هي حدود ذلكم الخبث، وإنما سحروه صلى الله عليه وسلم، وحاولوا قتله أكثر من مرة.

ولما تساقطت أوراقهم بالمدينة ورقة بعد أخرى، وأجلاهم صلى الله عليه وسلم عنها، خرجت عصاباتهم من يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة وتجمعت بخيبر، على بُعْدِ ثمانين ميلًا من المدينة في جهة الشمال، وجعلوا يدققون السمع إلى أخبار دعوته التي كانت تنتشر في الأرض عطرًا وفي السماء نورًا، فراح حسدهم يتفاقم في نفوسهم حتى أضحى نيرانًا وسعيرًا، فاجتهدوا في مُحالفة الأعراب، وانتشروا بين القبائل مبينين لهم ضرورة القضاء على محمد صلى الله عليه وسلم بالتحزُّب ضده.

وتحوَّل قولهم إلى فعل، وخرجت القبائل أحزابًا، وكانت حرب «الأحزاب» عام 5هـ، وإن من افترائهم قولهم لقريش عندما أرادوا جمع القبائل: إن محمدًا على باطل، وإن دين قريش خير من دينه، لذا أراد الله جلت قدرته تأديبهم وتطهير خيبر منهم (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا) (النجم: 31).

وخرج صلى الله عليه وسلم إليهم في أواخر المحرم 7هـ في 1400 مقاتل، وأشرف بالجيش على خيبر ليلًا، وسبحان القائل (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ) (الصافات: 177)، فعندما خرجوا في الصباح، تملكهم الدهش، واستبد بهم الروع لمَّا وقعت أبصارهم على الجيش، فهرولوا مولولين: «محمد والخميس، محمد والخميس»(1).

وكانت خيبر بلدة ذات مزارع وحصون كثيرة ومُحكمة، وتحصن اليهود بحصونهم، فأخذ صلى الله عليه وسلم أموالهم الموجودة خارج الحصون وحاصرهم فيها، وتساقطت حصون اليهود حصناً تلو الآخر، وكان آخرها حصن الوطيح والشلالم، وأثناء محاصرة المسلمين للحصن، خرج مُرَحِّب اليهودي وكان أشجهم، ونادى مغتراً: من يبارز؟ فقال محمد بن سلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور(2) الثائر، قُتِلَ أخي بالأمس، وكان أخوه محمود قد أُلقيت عليه رحى من يهود فقتلته، فدعا له صلى الله عليه وسلم ثم أذن له بالقيام، وتصاول الفارسان حتى قتله محمد بن سلمة رضي الله عنه، فخرج ياسر أخو مُرَحِّب ثائراً لمقتل أخيه صائحاً: من يبارز؟ وما هي إلَّا لحظات حتى ألحقه الزبير بن العوام بأخيه.

وخرج اليهود للمسلمين، واقتتل الفريقان اقتتالاً شديداً، وكانت رايته صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول مع أبي بكر الصدِّيق، وفي اليوم الثاني مع عمر بن الخطاب، وفي تلكم الليلة زادت دلائل صدق نبوته صلى الله عليه وسلم دليلاً شافياً عندما قال: «أما والله لأعطينها غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»(3)، وفي الصباح علم الجميع من هو الرجل عندما سأل صلى الله عليه وسلم عن علي بن أبي طالب، فقيل: يا رسول الله، إنه أرمد(4)؛ فدعاه صلى الله عليه وسلم وتفل في عينيه فبرأت من فورها، وفتح الله على يد عليّ وسقط آخر حصون اليهود وتم فتح خيبر، وهذه معجزة مُرَكَّبَة للنبي صلى الله عليه وسلم، ألم يقل: «يفتح الله على يديه»؟!

أكان صلى الله عليه وسلم يدرك أن فعله في بداية نهار الدنيا كان ستاراً لأمر سيقع في بداية عتمتها؟!

ثم ألم يتفل في عينيه فبرأت من فورها؟!

بلى قال وبلى تفل؛ إذاً فقد جاء بِمُعْجِز وأخبر عن غيب، وقد حدث المُعْجِز ووقع الغيب، ولا يعني قولي: إنه صلى الله عليه وسلم كان له طِب تكمن فيه أسرار قدرته، وأنه كان يعلم الغيب، ولكن طِبَّهُ كمنت فيه أسرار القدرة الإلهية، وأخبر عن غيب أخبره الله عز وجل به.

واستشهد من المسلمين 15 رجلاً، وقُتل من اليهود 93 رجلاً، وأصاب المسلمون الكثير من الأموال والسبايا وفتحت خيبر، وقال بعض المفسرين: إن خيبر كانت وعداً وعدها الله تعالى للمسلمين في قوله الكريم: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) (الفتح 20)؛ يعني فعجَّل الله لكم غنائم خيبر تأخُذونها في وَقت قريب، وسوف تأخذون مغانم أخرى كثيرة في أوقات يحددها سبحانه.

وبعد فتح «خيبر» حدث أمر جلل، سجَّله التاريخ كما حدث لا كما يحب أن يقرأه الآخرون، فقد سجَّل أنه مع فتج «خيبر» لم ينته دور يهود، ولكن نفس زينب بنت الحارث اليهودية احتدمت بالولاء للشيطان وتمرغت في طاعته، وأبت أحقادها الدفينة إلَّا أن تبدو ظاهرة، وتصرفت على عادة النفس اليهودية في محاولة النيل من كل خير في الظلام، فأبدت الموادعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقدمت نحوه حاملة شاة مصلية(5)، وجلس صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه للطعام، وكان يحب لحم الذراع، فأخذها ونهس منها نهسة(6)، ولكنه سرعان ما لفظها مستنكراً، آمراً أصحابه بالكفِّ عن الطعام، مُخْبِراً إياهم أن الذراع قد أعلمته أن زينب حملت إليه سمّاً متنكراً في ثوب شاة مصلية.

وعلينا أن نتجاوز ظاهر الحدث إلى جوهره ليتضح لنا أن الله قدَّر لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضي، وللرسالة أن تستمر فتدخَّلت قدرته في الحدث وأقدرت الذراع على إبلاغه بالخبر.

إنها إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم التي حدثت على نُسقٍ تَفَرَّد، وجعلت من «خيبر» يوماً فريداً في عالم الانتصارات النبوية، معجزة تُبْدي عظمته صلى الله عليه وسلم وعظمتها ليرى اليهود صدقه في ضوئها الباهر، فعندما جيء بزينب بنت الحارث إليه صلى الله عليه وسلم سألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك، فقال: «ما كان الله ليسلطكِ على ذلك»، وقيل: إنها قالت: أردت إن كنت ملكاً استرحنا منك، وإن كنت نبياً لم يضرَّك.

ولم يضرّك السمّ، ولكنهم كذَّبوك يا محمد، وطفق كذبهم يضرب بين أركان الأيام، ويركل بين جنبات الأزمان حتى يومنا وزماننا، ولعل الشواهد والأدلة والبراهين على هذه المعاني يصرخ ويهتف بها ملايين البشر في غزة وأرجاء العالم.

ولئن كانت الرحمة تغلب الانتقام في النفوس الجميلة، فما بالكم بالنفس الشريفة؟! لم يكن منه صلى الله عليه وسلم إلا أن عفا عن زينب بنت الحارث وهو قادر عليها، ولكن بِشْرَ بن البراء بن مَعْرور مات بعد فترة قصيرة بسبب أكله من الشاة وتسرّب السمُّ إلى جوفه قبل أن يلفظ ما أكله، وكان السمُّ شديداً حتى ترك أثراً أسود في فمه صلى الله عليه وسلم رغم سرعة لفظه.

وقيل: إن المرأة قد أسلمت، ولكن عندما مات بشر كان لا بد لكلمة القصاص أن تُقال، فالقصاص حق الله والأمر قد خرج من يديه صلى الله عليه وسلم فأسلمها إلى أولياء بشر فقتلوها، وبذا تتجلى سماحة الإسلام متمثلة في عفوه صلى الله عليه وسلم في أمر يخصَّه، أما إذا تعلق هذا الأمر بحق العباد فليتدخّل القصاص إحقاقاً للحق وحسماً لأبواب الشر.

وعاين أنس بن مالك الخبر بنفسه، ورواه: «إن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: أردت لأقتلك، قال: «ما كان الله ليسلطكِ على ذلك»، وقال علي رضي الله عنه: ألا نقتلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا»، قال: فما زلت أعرفها في لهوات(7) رسول الله صلى الله عليه وسلم(8).

وحملت النسمات نبأ خيبر فوق آفاق الدنيا وأجواز(9) فضائها، ولكنهم جعلوه وراء ظهورهم، وكفروا بما عاينوه قديماً وبما خَبَروه حديثاً، أُغْلِقَ عليهم تفكيريهم وحيادهم، ثمَّ كذَّبوك يا محمد(10).





____________________

(1) محمد والجيش الكبير.

(2) الذي استشهد له شهيد ولم يأخذ بثأره.

(3) حديث صحيح: أخرجه البخاري (4/ 65)، ومسلم (1807)، والبيهقي (4/216) في دلائل النبوة.

(4) مصاب بداء الرمد.

(5) مشوية.

(6) الذراع: الكتف، ونهس: قضم.

(7) اللحمات اللواتي في سقف الفم.

(8) حديث صحيح أخرجه مسلم (1290)، والبيهقي (4/ 259) في دلائل النبوة.

(9) الطبقات العليا في الفضاء.

(10) السيرة النبوية لابن هشام (2/ 328)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/ 96)، الرحيق المختوم للمباركفوري، ص372-384.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة