هل هزمت غزة أسطورة الجيش الذي لا يُقهر؟
منذ تأسيس الكيان الصهيوني، سعى لترسيخ
صورة «الجيش الذي لا يُقهر»، جيش قادر على حسم كل معركة بسرعة وبقوة ساحقة، مدعوم
بأحدث التقنيات والدعم الغربي المطلق.
لكن غزة، الصغيرة المحاصَرة، الفقيرة في
السلاح، الغنية بالإيمان والعزيمة، قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، فخلال حرب
غير متكافئة، استطاعت المقاومة أن تفرض على الجيش «الإسرائيلي» أطول وأعنف معركة
في تاريخه، وتُسقط هيبته أمام العالم أجمع.
لم تهزم غزة جيشاً فحسب، بل هزمت
الأسطورة نفسها؛ أسطورة الردع، والتفوق، والقدرة المطلقة على السيطرة، وفقدت «إسرائيل»
توازنها العسكري، وانهارت جبهتها الداخلية، وتحوّلت من قوة مهابة إلى كيان مرتبك
يطلب الوساطات ويعيش على الخوف والشك.
أما غزة، فخرجت من بين الركام مرفوعة
الرأس، وقد أثبتت أن الإرادة والعقيدة أقوى من الطائرات والدبابات، وأن الشعوب
الحرة لا تُهزم مهما تكالبت عليها القوى.
لم تكن الهزيمة «الإسرائيلية» في الميدان
وحدها هي التي كشفت ضعف الكيان، بل انكشافه أمام ذاته والعالم، وتصدّعت صورة «الجيش
الذي لا يُقهر» من الداخل؛ آلاف القتلى والجرحى، وانهيار في الروح المعنوية،
وتفكّك في القيادة السياسية والعسكرية.
خرج جنرالات من الجيش يقرّون بأنهم
يقاتلون عدواً يعرف كيف يُفاجئهم، وأن كل يوم في غزة معركة وجود، هذه الاعترافات
لم تكن مجرد زلات لسان، بل مؤشرات على سقوط الركيزة التي قام عليها الكيان لعقود؛
تفوق الردع.
أما في الخارج، فقد انهارت الأسطورة أمام
شاشات العالم، صور الدمار، وجثث الأطفال، والدماء على وجوه الأبرياء، عرّت الغرب
من ادعاءات الأخلاق، وفضحت ازدواجية خطابه، لم تعد «إسرائيل» واحة الديمقراطية،
كما كانت تدَّعي، بل أصبحت مرادفاً للعدوان والعنصرية، بينما أصبحت غزة رمزاً
للمظلومية والصمود.
الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بالنتائج
العسكرية، بل بالقدرة على تغيير الوعي ومسار التاريخ؛ ومن هنا، فإن ما أنجزته غزة
يُعد انتصاراً إستراتيجياً وتحولاً تاريخياً في موازين الصراع.
لقد خسرت «إسرائيل» كل ما أرادت تحقيقه؛
فقد فشل مشروع التطبيع، وانكسر الردع، وتراجع اقتصادها، واهتزت صورتها عالمياً.
وفي المقابل، ارتفعت مكانة المقاومة
سياسياً ومعنوياً، واستعاد الفلسطينيون وحدتهم الرمزية، وتحوّلت غزة إلى أيقونة
للتحرّر الإنساني في الوعي العربي والعالمي.
إن هذا التحوّل لم يكن مجرد نتيجة معركة،
بل بداية عصر جديد في فهم القوة والمقاومة؛ عصر تتراجع فيه الأساطير العسكرية أمام
صمود الشعوب وإيمانها بعدالة قضيتها.
اليوم، حين يُسأل: هل هزمت غزة أسطورة
الجيش الذي لا يُقهر؟ فالجواب لا يحتاج إلى بيان عسكري أو تصريح سياسي؛ يكفي أن
ترى كيف تغيّر وجه التاريخ؛ فـ«إسرائيل» المرتبكة تبحث عن مخرج، وغزة الجريحة تكتب
بدمها صفحة المجد، لقد انتهى زمن الأسطورة، وبدأ زمن الحقيقة، زمن الشعوب التي
تُهزم جيوشها ولا تنكسر إرادتها!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً