الإسلام ورهانات المستقبل..
هل نحن أمام نهضة أم إعادة تشكل حضاري؟
مرحلة مفصلية في
تاريخ الأمة الحضاري تمر بها اليوم، مرحلة تتسم بكثرة التحولات والاضطراب، تختلط
فيه وتتداخل منتجات التقنية مع ضغوط العولمة التي تفرض هيمنتها الثقافية التي بدأت
منذ أكثر من قرنين من الزمان حتى وصلت الأمة لمرحلة البحث عن الهوية في العقود
الثلاثة الماضية متزامناً مع حالة الصحوة الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي.
هذه الاضطرابات
ليست تقلبات عابرة سوف تمر دون متغيرات مستقبلية قريبة، بل هي نقطة اختبار حضاري
ربما تتحدد على ضوئها ملامح المستقبل، وربما تضع حجر أساسه بمعايير جديدة عن عشرات
السنوات الماضية خارج دائرة الوهن.
وهنا يبرز سؤال
محوري يجب أن نجيبه بصراحة مطلقة، ونواجه حيثياته وتحدياته حتى نستطيع الفهم
وإدراك المرحلة لنسرع في الخروج منها والخلاص من حالة الغياب الحضاري الحادثة: هل
الأمة اليوم أمام نهضة إسلامية حقيقية، أم أنها تعيش مرحلة تشكل للخطاب الإسلامي
تمهيداً لنهضة لاحقة؟ بمعنى آخر: هل نحن على أبواب فتح حضاري جديد، أم أننا سوف
نمر بمرحلة انتقالية يتم فيها تهيئة الأمة لاستعادة دورها الحضاري؟
أولاً: مفهوم النهضة في القرآن الكريم:
خلق الله عز وجل
الإنسان بيده وكرمه، ثم جعله خليفة في الأرض ليعمرها وينهض بها ويرفع راية التوحيد
في الأرض؛ أي تأسيس النهضة على الأخلاق والعمران، وفي كتاب الله في آية الاستخلاف،
وضع الله عز وجل شروط الاستخلاف ووضع أساسه الحضاري، فيقول تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)؛ يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
«أي جعلكم عُمّارًا لها، وسكانًا، تعمُرونها وتستغلّون خيراتها بالزراعة والبناء
والصناعة وسائر وجوه المنافع»(1).
هذا النص يبين
بوضوح أن العمران المادي جزء أصيل من التكليف الإلهي، والنهضة ليست رفاهية، وإنما
واجب شرعي متصل بالاستخلاف؛ أي أن الأمة لا تستطيع الحديث عن نهضة وهي غائبة عن
ميادين العلم، والاقتصاد، والصناعة والإبداع.
ويجب التفريق
هنا بشكل كبير بين أن تنتج حضارة، وأن تكون مستهلكاً لمنتجات حضارة أخرى، أن
تستعمر الأرض، وأن تستثمر مقدرات الأرض أو تعطل تلك المقدرات وتبني قصوراً تسكنها،
وقد وضع الله عز وجل شرطاً للتغيير الحضاري، فلن تنهض أمة وتقوم بدورها الحضاري
حتى تكون هناك إرادة داخلية لبدء النهضة.
كذلك لن تتغير
حال الأمة من النهضة إلى السقوط إلا بتغييرها حالها من الصلاح إلى الفساد، فيقول
تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد، 11)؛
يقول الفخر الرازي، في تفسيره: «دلّت الآية على أن الله لا يغيّر ما بقوم من
النعمة والكرامة حتى يغيّروا ما بأنفسهم من الطاعة إلى المعصية، أو من الصلاح إلى
الفساد»(2).
ووفقاً لهذا
النص؛ فالنهضة ليست نتيجة خطط سياسية فقط، ولا نتيجة امتلاك أدوات تقنية، بل هي
تحول أخلاقي وقيمي داخلي، وهذا ما يؤكد أن المعركة الحقيقية اليوم ليست تكنولوجية،
بقدر ما هي معركة قيم ومعايير.
ثانياً: السُّنة النبوية كنموذج لنهضة متوازنة:
تميز الإسلام
كدين شامل ارتضاه الله عز وجل ليختم به رسالاته للأرض، بأن الله سبحانه أنزل
كدستور شامل يضمن سعادة الإنسان ونجاحه في مهمته على الأرض، وتمثل ذلك المنهج
بكامل تطبيقاته في مجتمع المدينة الأول الذي كان النسق الحضاري الكامل كمشروع
حضاري قائم على توازن الروح والعمران، لم يغفل الإنسان، ولم يغفل البناء الحضاري
المادي، ونستطيع أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام مجتمع المدينة على
ثلاثة أعمدة:
1- بناء الروح
والهوية (المسجد).
2- بناء
الاقتصاد (السوق).
3- بناء الدولة
والقانون (وثيقة المدينة).
وهذا التوازن هو
نموذج الدولة الإسلامية التي انطلقت من المدينة لربوع العالم فاتحة، وكل فرد فيها
مسؤول حسب موقعه، فلم يتخلَّ أحد عن مسؤوليته، أو يترك ثغرته، يقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ،
وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ
عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلَا
فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).
ويعلق ابن حجر
العسقلاني على الحديث السابق فيقول: «فيه تقرير أصل عام يصلح لبناء الدول
والمجتمعات، لأن كل فرد مسؤول عن موضعه، وبصلاح الجزئيات، تصلح الكليات»(3)،
لكننا يجب أن نعي الفرق بين المشروع الإسلامي والحضارة البشرية، فالإسلام أسَّس
للإنسان قبل أن يؤسس للحجر.
ثالثاً: التقنية والهوية.. التحديات الحضارية الكبرى:
حق لنا أن
نتساءل بعد ما آلت إليه التكنولوجيا، وما فعلته بإنسانية الإنسان وقيمه، هل
التكنولوجيا أداة تمدن، أم أداة تآكل الهوية؟ لقد حذر العلماء الحداثيون من أن
التكنولوجيا ليست محايدة على الدوام، يقول د. طه جابر علواني: «إن أخطر ما يهدد
العقل المسلم اليوم استهلاك المعرفة الوافدة دون القدرة على إنتاج معيار معرفي
يضبطها ويهذبها»(4).
ويضيف د.
عبدالوهاب المسيري قائلاً: «تأثير التقنية الحديثة لا يقف عند حدود الأدوات، بل
يفرض نموذجًا معرفيًا ماديًا يُحوّل الإنسان إلى كائن وظيفي»(5).
ومن تلك النصوص
يتضح أن الخطر ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في النمط القيمي والأخلاقي الذي
تحمله، ولن يمكن الخلاص منها، بل يمكن تطويعها وفقاً لأخلاق الشرع كي تكون في خدمة
الإنسان وليس العكس.
رابعا: الخطاب الإسلامي.. تجديد أم إعادة تشكل؟
هل تموضع العقل
الإسلامي اليوم هو المكانة الصحيحة له؟ يقول محمد عابد الجابري بوضوح: «لا يمكن
للعقل العربي أن ينهض ما لم تُعَد صياغة منظومته المفهومية، بإعادة ترتيب العلاقة
بين النص والعقل والتاريخ»(6)، هذا يعني أن الخطاب الإسلامي يحتاج إلى
تجديد أدواته، نعم تجديد الأدوات لا التلاعب في الأصول كما يريد البعض، يقول مالك
بن نبي: «ليست مشكلتنا في استعمار يطغى علينا، بل في قابلية داخلنا تسمح له بذلك،
النهضة تبدأ حين يتحرر الإنسان من داخله»(7)، فالتغيير الخارجي مستحيل
دون إزالة العوائق الداخلية.
النهضة والطريق
للبناء الحضاري ليس وصفة تقنية، وإنما تحول نفسي وأخلاقي في الإنسان المسلم، وهناك
عدة ظواهر إيجابية تشير إلى حراك حضاري صاعد نلحظه في معظم البلاد العربية
والإسلامية، من عودة الاهتمام بالقرآن والسُّنة، وانتشار منصات العلم الشرعي، وصحوة
معرفية تجاه الأخطار الثقافية.
إننا في مشهد
يشبه إلى حد كبير مرحلة ما قبل النهضة، حيث تتشكل المفاهيم والقيم والأولويات، ويعاد
ترتيب العلاقة بين الدين والحداثة والتكنولوجيا؛ إعادة التشكل، هو إعادة بناء
الذات، وإعادة صياغة الخطاب، استعادة المرجعية، ثم استعادة الهوية، ثم الانطلاق
إلى نهضة حضارية حقيقية.
إن ما تمر به الأمة اليوم ليس نهضة بالمعنى المعروف، وليس انحطاطاً كلياً بدليل ما حدث في غزة، ومشروع المقاومة الجبار الذي استطاع أن يقف في وجه دول وقوى وليس نظاماً واحداً، إنها مرحلة تشكل داخلي يعاد فيها بناء الوعي، وتوضيح المفاهيم، واستعادة الثقة، وسوف تعود الأمة قريباً إلى سالف ما كانت عليه من ريادة.
اقرأ أيضًا
كيف غيرت التكنولوجيا سلوكنا الثقافي
__________________
(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص470.
(2) الفخر
الرازي، مفاتيح الغيب، ج18، ص135.
(3) فتح الباري،
ج13، ص121.
(4) العلواني،
أزمة الفكر المعاصر، ص55.
(5) المسيري،
العلمانية الشاملة والجزئية، ج1، ص77.
(6) الجابري،
تكوين العقل العربي، ص23.
(7) بن نبي،
شروط النهضة، ص42.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً