هل للمرأة العاملة نصف ثروة الرجل؟

بدأت بعض الأصوات في العالم الإسلامي تنادي بمحاكاة العالم الغربي الذي يعتمد مبدأ «الملكية المشتركة بين الزوجين»؛ وهو نظام يسمح للمرأة أن تمتلك نصف ثروة الرجل وبخاصة في حالات الطلاق.

ويبني هؤلاء فكرتهم على أن الزمن قد تغير، وأن كثيراً من النساء يعملن ويشاركن أزواجهن في نفقات البيت وبعض الممتلكات كشراء الأراضي أو الوحدات السكنية ونحوها، بل يذهب بعض أصحاب هذا الرأي إلى أبعد من هذا، فينادون أن يكون هذا النصيب حقاً للمرأة غير العاملة أيضاً، فهي حبست نفسها في البيت لخدمة الزوج والأولاد، ومن حقها عند الطلاق أن يكون لها «مكافأة نهاية الخدمة»، فهي قد شاركت بشكل غير مباشر في تكوين الثروة، على افتراض أنها إن خرجت وعملت كان يمكن لها أن تكتسب جزءاً من المال، وعلى اعتبار أنها عاملة عند زوجها وأولادها، والعامل –حسب القانون- له مكافأة نهاية الخدمة، التي تنتهي في حالة الطلاق.

وفي المقابل، نجد البعض الآخر ينادي بأنه لا حق للمرأة مطلقاً، حتى لو كانت عاملة، تنفق كل ما تكتسب من مال في بيت زوجها، فكل ما تكتسبه حق لزوجها وأسرتها، ولأنها مأمورة أن تبقى في بيت الزوجية لا تخرج إلا بإذن الزوج، فكان إذن الزوج هو السبب في تكسبها، فلا حق لها في شيء، ويرى البعض من هؤلاء أنه من العيب أن يُكتب شيء للزوجة في وجود زوجها.

وفكرة أصحاب الفريق الأول تقوم على قاعدة أن الزواج «شراكة اقتصادية»، فمنهم من يجعل هذه الشراكة تكون حال الزوجية، وبعضهم يرى أنها تطبق حال الطلاق دون حال الزوجية، والبعض يتيح اتفاق الزوجين على النظام الذي يختارونه قبل الزواج، وبهذا تعمل النظم الغربية في أمريكا والدول الأوربية والأفريقية، بل النظام قد يختلف من ولاية لأخرى في الدولة الواحدة.

كما أن فكرة أصحاب الفريق الثاني تقوم على مبدأ «العبودية الاجتماعية»؛ فهم يعتبرون المرأة ملكاً للرجل، فكل ما تكتسبه المرأة هو للرجل، وأنه هو سبب كسبها لإذنه لها بالعمل.

وكلا الفريقين جانَبَ الصواب والشريعة، ووقع في الظلم، فهما طرفا نقيض بين إفراط وتفريط، وقواعد الشرع حاكمة بالعدل بين الزوجين، لا تنحاز لا لزوج ولا لزوجة، ولكن العرف الفاسد يغلب على بعض مجتمعاتنا، والشرع غالب على العرف، وليس صحيحاً أن العرف حاكم على الشرع أو معتبر إذا خالف الشرع، بل من شروط قاعدة «العادة محكمة» ألا يتصادم العرف مع قواعد الشرع، فإن تصادم فلا اعتبار لعرف ولا لقانون ولا لأي شيء إن صادم الشرع وخالف قواعده.

وبيان تلك القضية في الفقه والشريعة ما يلي:

أولاً: تقرر أن الشريعة الإسلامية لا تتحيز لرجل أو امرأة، ولا تنصف امرأة على رجل ولا رجلاً على المرأة، فكلاهما أمام العدل والحق سواء، وذلك من كليات الشريعة، كما في قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (آل عمران: 195).

وحين يقال: إن الإسلام أنصف المرأة لا يعني ذلك أنه ظلم الرجل، بل رفع ما كان في الجاهلية من ظلم الرجل امرأته، فردهما إلى العدل، ولا يعني ذلك أن الإسلام قد انحاز للمرأة، لأن شرع الله تعالى لا ينحاز لرجل أو لامرأة، فكلاهما عند الله سواء، والميزان هو الحق والعدل.

ثانياً: أن الشريعة لم تجعل الزواج شراكة اقتصادية، بل هو شراكة اجتماعية في المقام الأول، فالناس لا يتزوجون ليُنشئوا فيما بينهم شركة اقتصادية القصد منها التربح والتكسب من الأموال، وإنما لبناء الأسرة والعائلة، وقد أبان الله تعالى عن مقصد الزواج بين الرجل والمرأة بقوله سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

ثالثاً: نظم الشرع الحنيف تلك الشراكة الاجتماعية، فجعل الأصل أن يعمل الرجل بالخارج ويكدّ ويتعب ويتحصل الأموال لينفق على أهله، وتبقى المرأة عزيزة مكرمة في بيتها، لا تتحمل مشاق العمل والخروج لتزاحم الرجال وتشارك زوجها نفقات الحياة، بل جعل وظيفتها الرئيسة رعاية زوجها وأولادها، فأوجب على زوجها النفقة عليها، ولو كانت أغنى الأغنياء، فقال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء: 34).

وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم العمل بين عليٍّ، وفاطمة، رضي الله عنهما، فجعل على فاطمة العمل في البيت، وعلى عليٍّ أن يعمل خارج البيت؛ ليكفي أهله ما يحتاجونه من أمور الحياة، وتصان المرأة في بيتها.

رابعاً: لم يحرم الإسلام العمل على المرأة، بل جعل لها حق الاكتساب، ولها أن تعمل من بيتها وتكتسب، فإن أرادت الخروج للعمل، فلا بد أن تستأذن زوجها؛ لأنه هو القيّم المسؤول عنها أمام الله تعالى، كما أنه هو الذي ينفق عليها في مقابل أن تبقى في بيت الزوجية، فإن أرادت الخروج للعمل، فلها أن تستأذنه، كما لها أن تشترط ذلك قبل الزواج، ويجب الوفاء عليه في هذا.

خامساً: الأصل أن يكون لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة، ينفرد كل منهما بذمته المالية، فليس من حق المرأة أن تشارك الزوج في ماله، إلا فيما أوجبه الله تعالى عليه من النفقة عليها، وما سوى ذلك فماله وهو أحق به، وفي المقابل، أعطى الإسلام المرأة ذمة مالية مستقلة، فإن كانت المرأة تملك مالاً، من عمل واحتراف، أو من أي طريق آخر اكتسبت به المال، فليس للزوج أن يتدخل في ذمتها المالية، فذلك مالها وهي أحق به.

وعلى هذا، فإن اكتسبت المرأة مالاً، فيكون خاصاً بها، لا يتدخل الزوج فيه، وقد ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن المرأة إذا خرجت للعمل، فعليها أن تنفق جزءاً من مالها على بيتها مقابل خروجها، ولأن العادة أنها تقصر في واجباتها الزوجية، وذلك تحقيقاً للعدل بين الزوجين.

مسألة الكد والسعاية وتطبيقاتها المعاصرة

إذا كانت المرأة تعمل وتضع كل ما تكسبه من أموال مع زوجها، فهي شريكة له في كسب المال وما يدخرون أو يمتلكون من أشياء، لكن هذا لا يعني أن يكون لها النصف، بل يقدر جهدها وما دفعته مع زوجها، وهو ما عرف بمسألة «الكد والسعاية».

وخلاصتها أن حبيبة بنت زريق كانت زوجة لعمر بن الحارث، وكانت تعمل نساجة طرازة، وكان زوجها يتاجر فيما تنتجه وتصلحه حتى اكتسبا من ذلك مالاً وفيراً، ولما مات زوجها ترك المال والعقار، فجاء أولياؤه وتسلموا مفاتيح الخزائن، إلا أن الزوجة نازعتهم في ذلك، فاختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقضى لها بنصف المال، وبالإرث في الباقي.

وقد سُئل العلَّامة أحمد بن عرضون المالكي عن نصيب المرأة بعد انقضاء الزوجية بالطلاق أو الوفاة، فأصدر فتواه في أرجوزة على طريقة أغلب فقهاء المالكية قال فيها:

وخدمة النساء في البوادي... للزوج بالدراس والحصاد

قال ابن عرضون لهن قسمة... على التساوي بحسب الخدمة

لكن أهل فاس فيها خالفوا... قالوا لهم في ذاك عرف يُعرف

وقد اختلف الفقهاء في الأخذ بفتوى عمر، والصحيح جواز العمل بها، لكن لا يلتزم بأن يكون لها النصف؛ لأن تقدير عمر بن الخطاب في هذه الحالة كان النصف؛ لأنهما كانا شريكين في عمل واحد، بخلاف المرأة التي تعمل وتأخذ راتباً، فللقاضي أن يقدر لها «أجرة المثل»، وما دفعته، فقد يكون النصف أو أكثر أو أقل حسب ما دفعته، وهذا تمام العدل، فلا تأخذ المرأة نصف مال الرجل دوماً دون تقدير، بل عند التنازع يعود الحكم للقضاء في تقدير أجرة المثل وتقدير ما دفعته في ممتلكات الرجل وحياته.

أما وضع قانون يعطي المرأة نصف ثروة الرجل على طول الخط، فخطأ بيِّن، ما أنزل الله به من سلطان، وهو من الاعتداء والافتراء، بل يبقى حق المرأة العاملة بحسب التقدير وإقامة العدل بين الزوجين.

وخلاصة الأمر ما يلي:

1- الأصل أن تكون النفقة على الزوج، وأن تبقى المرأة في بيتها لرعاية أسرتها، على أن يكفيها زوجها حاجاتها.

2- الحياة بين الزوجين تقوم على الفضل لا على العدل.

3- أن يتفق الزوجان من بداية الحياة الزوجية على كل ما يتعلق بالأمور المالية.

4- الأولى أن يكون لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة، إلا إذا رأيا الاشتراك في ذلك.

5- إن عملت المرأة وشاركت في الحياة مع الزوج، وشاركته في بعض الممتلكات، فلها أن تطالب بحقها -سواء طلقت أم لم تطلق- فيقدر ما دفعته من مال.

6- الواجب على الزوج أن يتعفف عن مال زوجته، وأن يكون قدوة ومثلاً.

7- من حسن العشرة دعم المرأة زوجها بالمعروف عن طيب خاطر، تحتسب ذلك عند الله تعالى.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة