هل السواك يفطر الصائم؟ رؤية فقهية توازن بين الأمر به والحذر منه
من روائع الشرع
الشريف أنه حين أمر المسلم بالصيام عن الطعام والشراب لم يرد منه أن يهمل الطهارة
في باطنه وظاهره، أما طهارة الباطن بالصيام فتظهر في غرس التقوى والصبر والإرادة
في النفس الإنسانية، وأما طهارة الظاهر فبالحرص على ألا يصدر عن المسلم إلا كل قول
طيب وريح طيب،
لذا دعا الإسلام
المسلم إلى استعمال ما يطيب جسده وفمه، فدعاه إلى التعطر واستعمال السواك، لكن
الصائم الذي يحرص على صومه كحرصه على جوهرة ثمينة يتساءل: هل السواك يفطر الصائم؟
والسِّواك هو
العود الذي تدلك به الأسنانُ، وقيل: هو من شجر الأراك(1)، فهو عود يتخذ
من شجر الأراك لتنظيف الفم والأسنان.
الترغيب في استخدام السواك
روى البخاري،
ومسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لَأَمَرْتُهُمْ
بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ».
وفي صحيح
البخاري عن أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».
حكم استخدام السواك للصائم
وردت أحاديث
وأقوال للصحابة والفقهاء تؤكد جواز استخدام الصائم للسواك، فقد روى ابن ماجه في «السنن»،
والطبراني في «المعجم الكبير» عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ»،
وفي سنن الترمذي عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ
قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ
وَهُوَ صَائِمٌ».
وقال ابن قدامة:
لا يرى الفقهاء بالاستياك بالعود اليابس أول النهار بأساً، ولا يكره عند الحنفية
والمالكية بعد الزوال، وهو وجه عند الشافعية في النفل، ليكون أبعد من الرياء،
ورواية عند الحنابلة آخر النهار، بل صرح الأولون بسنيته آخر النهار وأوله(2).
من خلال ما سبق
يتبين أنه يجوز للصائم أن يستخدم السواك في أي وقت من النهار، وحتى لا يقع الصائم
في الشبهة أو الشك؛ فعليه ألا يبالغ في إدخال السواك إلى الحلق، وألا يستعمل سواكاً
مضافاً إليه مواد صناعية من شأنها أن تجري مع ريقه فتدخل إلى جوفه، كما أنه إذا
استعمل السواك فخرج منه طعم أو جزء فعليه أن يلفظه ولا يبتلعه.
حكم استعمال السواك الرطب
قال الإمام بدر
الدين العيني: وَأما حكم السِّوَاك للصَّائِم فلَا بَأْس بِهِ مُطلقًا قبل
الزَّوَال وَبعده، ويروى عَن عَليّ، وَابْن عمر أَنه لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب
للصَّائِم، وَرَوَاهُ ذَلِك أَيْضاً عَن مُجَاهِد، وَسَعِيد بن جُبَير، وَعَطَاء،
وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه،
وَالثَّوْري، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَابْن علية، وَرويت الرُّخْصَة فِي السِّوَاك
للصَّائِم عَن عمر، وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن علية: السِّوَاك سُنة للصَّائِم
والمفطر وَالرّطب واليابس سَوَاء، وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب، قيل له
طعم! قال: والماء له طعم، وأنت تمضمض به(3).
هل يجوز بلع الريق بعد السواك؟
قَالَ عَطَاءٌ،
وَقَتَادَةُ: لا مانع أن يَبْتَلِعُ الصائم رِيقَهُ بعد السواك(4)، وقال
عطاء بن أبي رباح: إن ازدرد، أي: إن ابتلع ريقه بعد التسوك لا يفطر(5)،
هذا إلا إذا تحلل من السواك شيء في الفم فإنه يخرجه ثم يبتلع ريقه.
قال ابن حجر: إن
أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم شيء وذلك الشيء كماء المضمضة
فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك أن يبتلع ريقه(6).
حكم استخدام معجون الأسنان ومطهرات الفم للصائم
استعمال معجون الأسنان ومطهرات الفم للصائم لا بأس به إذا لم ينزل إلى جوفه، لكن الأولى عدم استعماله؛ لأنَّ له نفوذًا قويًّا، قد ينفذ إلى المعدة، والإنسان لا يشعر به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة رضي الله عنه: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»(7)، من هنا يتبين لنا أن ما جرى مجرى السواك من مطهرات الفم يأخذ حكمه من الجواز، إذا أمن عدم وصولها إلى الحلق أو ابتلاع شيء منها، والأولى تأخيرها إلى ما بعد الإفطار، والله أعلم.
اقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً