هل الحقن تفطر الصائم؟
قد يتعرض الصائم
للمرض بصورة تجعله في حاجة إلى تسكين ألمه، بل إنه قد يحتاج لإجراء بعض العمليات
الجراحية، لكنه يتساءل: ما موقفي من الصيام؟ وهل الحقن المأخوذة للتداوي أو
للتخدير أو للتغذية تفطر الصائم؟
هل حقن البنج أو التخدير تفطر الصائم؟
أوضح الفقهاء أن
فقد الوعي بسبب البنج أو التخدير إنما هو بمنزلة الإغماء. (تيسير التحرير، 2/ 266)،
وبناء على هذا فإن حكم الحقن التي تؤخذ للتخدير تقاس على مسألة صيام المغمى عليه،
لأنها أقرب المعاني التي يتعطل فيها الإدراك بسبب فقد الوعي.
وقد ذهب جمهور
الفقهاء إلى صحة صوم الشخص الذي نوى الصوم مِن الليل ثم أغمي عليه جزءًا مِن نهاره
وأفاق في بعضه؛ لأن العقل والإفاقة ليسا مِن شرائط صحة أداء الصوم؛ بل ذهب الحنفية
إلى أنه لو لم يفق أثناء النهار صح صومه وكان مؤديًا للفرض، وذلك ما لم يوجد منه
ما ينافي الإمساك. (كشف الأسرار، علاء الدين البخاري (4/ 248)، وينظر: (المدونة 1/
276)).
ففي هذا تأكيد
على صحة صيام من نوى الصيام ثم أخذ حقنة البنج فغاب عن وعيه جزءا من النهار، هذا
بإجماع الفقهاء، لكنهم اختلفوا فيمن غاب عن وعيه طوال اليوم فلم يفق فيه لحظة
واحدة، حيث رأى الحنفية صحة صومه إن كان قد نوى، وذلك ما لم يوجد منه ما ينافي
الإمساك.
أما الشافعية
والحنابلة فرأوا عدم صحة الصوم، قال ابن قدامة: ومن نوى من الليل، فأغمى عليه قبل
طلوع الفجر، فلم يفق حتى غربت الشمس، لم يجزه صيام ذلك اليوم، وجملة ذلك أنه متى
أغمي عليه جميع النهار، فلم يفق في شيء منه، لم يصح صومه، في قول إمامنا،
والشافعي. (المغني: 4/ 343).
هل حقن التداوي تفطر الصائم؟
قال ابن عثيمين:
أما الإبر (الحقن) غير المغذية فلا تفسد الصيام، سواء أخذها الإنسان بالوريد،
أو بالعضلات، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب. (مجموع فتاوى
ورسائل العثيمين، 19/ 196).
فما يأخذه
الصائم من الحقن للتداوي، مثل ما يؤخذ لخفض درجة الحرارة في الحميات ونحوها، أو
لخفض الضغط ونحو ذلك، فعلماء العصر مجمعون على أنه لا يفطر، ومثل ذلك ما يؤخذ
للتقوية، مثل الحقن المشتملة على الفيتامينات بأنواعها أو الكالسيوم، وما أشبه
ذلك، فهي لا تفطر أيضاً، لأنها لا تصل إلى البدن من منفذ مفتوح، وليس فيها غذاء
للجسم، ينافي حكمة الصوم في الجوع والحرمان. (فقه الصيام، د. يوسف القرضاوي، ص 100).
من خلال ما سبق
يتبين أن الحقن المأخوذة للتداوي لا تفطر الصائم، سواء كانت من الوريد أو من الفخذ
أو من أي مكان.
هل حقن التغذية تفطر الصائم؟
قال د. القرضاوي
في «فقه الصيام»: اختلف العلماء في شأن الحقن التي تعطى من طريق الوريد، ويقصد بها
التغذية، مثل (الجلوكوز) وما شابهه.
فمن العلماء من
يرى هذا النوع مفطراً، لأنه يحمل غذاء يصل إلى داخل الجسم، وينتفع به، وإذا كان
الغذاء عن طريق الفم يفطر بالنص والإجماع؛ فينبغي أن يفطر هذا أيضاً، لأنه خلاصة
الغذاء، تصل إلى الدم مباشرة.
ومن العلماء من
يرى أن هذا النوع لا يفطر، فهو من ناحية قواعد الفقهاء لم يدخل إلى الجوف، من منفذ
طبيعي مفتوح، بل لم يدخل إلى الجوف أصلاً لأنهم يقصدون بالجوف المعدة.
ومن ناحية أخرى
لا يذهب الجوع والظمأ، ولا يحس من تناوله بالشبع والري، لأنه لا يدخل المعدة، ولا
يمر بالجهاز الهضمي للإنسان، صحيح أنه قد يشعر بعدها بشيء من النشاط والانتعاش،
ولكن هذا وحده لا يكفي للتفطير به، فقد يحدث هذا لمن يغتسل بماء بارد وهو صائم،
فيشعر بالانتعاش، ومع هذا لا يفطر بالإجماع.
وهذا الرأي
الأخير، وهو الذي أرجحه وأميل إليه.
على أن الأمر في
هذا يسير، إذ لا يحتاج إلى هذا النوع من الحقن، إلا مريض بلغ به المرض مبلغاً
أحوجه إلى مثل ذلك، أو خرج من عملية جراحية، يحتاج معها إلى التغذية الصناعية،
ومثل هذا ينبغي أن يفطر، ولا حرج.
وقال د. أحمد
حطيبة: أما حقن التغذية، فإذا كان الشخص يعيش على حقن التغذية بحيث تصير حياته
عادية ويحس بشبع فهذا يفطر بذلك.
إذاً، هناك فرق
بين الحقنة للتداوي والعلاج التي ليس فيها تغذية، وبين أن تكون الحقنة فيها
مكونات من محلول السكر أو غيره من الأمور المغذية، فإذا كان الإنسان يأخذ الحقن
للعلاج وليس للتغذية فالراجح أن هذه الحقن لا تفطر، أما الحقن التي تؤخذ من أجل
التغذية فهي تفطر. (الجامع لأحكام الصيام، 6/ 6).
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً