مهارات التربية بالحوار سلوك نبوي
تنوعت وسائل التربية وأساليبها وأنشطتها الموجهة للأفراد من أمة لأخرى ومن زمن لآخر، إلا أن الرابط المشترك بين هذه الوسائل وتلك الأساليب أنها تهدف لتحقيق نتاجات التربية المرغوبة، فنلاحظ أنها تأخذ طابع التجديد بين الحين والآخر.
وللحوار أهمية
كبيرة في حياة المسلم، فهو من وسائل الاتصال الفعالة؛ حيث يتعاون المتحاورون على
معرفة الحقيقة والتوصل إليها، ليكشف كل طرف منهم ما خفي على صاحبه منها، والسير
بطريق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق.
ومن أبرز
النماذج التي ظهر فيها الحوار كأسلوب من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في
التربية نموذج الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنى، ويمكننا رصد الوقفات التربوية مع
هذا الحوار على النحو التالي:
1- الجو الآمن
الذي كان سائداً بين الصحابة عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ فما كان ذاك الشاب
ليجرؤ على هذا الطلب لو كان يعرف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سيقمعه أو يعنفه أو
يستخدم القسوة في رده، بل إن الصورة المرتسمة في ذهنه تعلوها السماحة واليسر، ورفع
الحرج الذي عُرف به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يمكن وصفه بالجو الآمن
للتعلم والتعليم ومن ثم تلقي التربية.
2- البعد
المكاني بين المربي والمتربي ودوره في التأثير؛ فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من
السائل أن يدنو منه يشير إلى العمق التربوي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم،
فلم يكتف بمخاطبته من مكانه الذي كان فيه، وإنما قربه.
ونلمس من هذا
التقريب البعد العاطفي في الخطاب والتواصل البصري مع المتكلم، وإبعاد المشتتات عن
البيئة المحيطة، وتركيز التعليم، وإتاحة الفرصة له لسماع الرسالة بوضوح ونقاء،
فضلاً عن إتاحة الفرصة له للتعبير عن رأيه بحرية ودون قلق ممن حوله، خاصة أنهم
أرادوا أن يسكتوه بعد سؤاله بقولهم له: مه، مه!
ويمكننا تصنيف
المكان الذي أجلسه فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالمنطقة الشخصية التي تحمل في
ثناياها الحرص على قوة التأثير في المتلقي بإدخاله في منطقة شخصية بالنسبة للمربي،
وما كان هذا ليكون لولا أنه يريد أن يضفي عليه مزيداً من الحظوة والاهتمام، وهذا
أبلغ في الأثر والتأثير.
3- اعتماد النبي
صلى الله عليه وسلم لأسلوب الحوار سبيلاً في التهذيب والتغيير، وكان بالإمكان أن
يكتفي بكلمة واحدة في الرد على هذا الشاب عند سؤاله الإذن بالزنى بقوله: لا، إلا
أننا استمعنا إلى هذا الحوار المستمر الذي يعتمد الإقناع سبيلاً للوصول إلى
الحقائق.
لكنه صلى الله
عليه وسلم يرد عليه بسؤال حنون: «أترضاه لأمك؟!»، فما كان من الشاب إلا أن أجاب
بالنفي، وهنا يصل النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك الشاب إلى الحقيقة المتفق عليها:
«إن الناس لا يرضونه لأمهاتهم»، وهذه نتيجة أولية للحوار حققت ثمرة تربوية لدى هذا
الشاب فضلاً عن المستمعين له أو من سيأتي بعدهم ممن يطلع على هذا الحوار، حتى يصل
به إلى الحقيقة النهائية الشاملة «أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك، وأن ما لا تقبله
لنفسك لا يقبله منك الآخرون لأنفسهم».
وهذه المحاصرة
من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب بذكر أصناف المحرمات اللاتي يلذن به
لحمايتهن من العوادي وهن أقرب الناس إليه يولد عنده الحس بالمسؤولية الاجتماعية
والإحساس بمشاعر الآخرين إذا انتهكت أعراضهم أو اعتدي عليها بالتدنيس، ومن ثم رفض
كل ما يسيء إلى مشاعرهم أو ينتقص منها.
4- إتاحة النبي صلى
الله عليه وسلم للشاب الفرصة للرد والإجابة والتعبير عن مشاعره وعواطفه، ولا يثمر
الحوار إن كان من طرف واحد، فلا يسمى عندها حواراً، بل تلقيناً.
ونلحظ، كذلك، أن
النبي صلى الله عليه وسلم ترك الشاب يجيب عن الأسئلة التي طرحها عليه، وفي إجابة
هذا الشاب إفصاح عن جوانب التربية المجتمعية الكامنة في نفسه وتعبيراً عن الثقافة
التي تشكلت عنده كفرد في المجتمع، إلا أنها في لحظة الغريزة الجامحة غابت ولم تكن
منتجة.
نضف إلى أن تلك
الأسئلة حركت عنده كوامن الخير والفطرة السليمة والولاء الصادق عندما كان يرد: «لا
والله جعلني الله فداءك»، وهذا ينبئك عن الشوط الذي قطعه هذا الشاب في أحضان
التربية الإسلامية، فهو يقسم بأنه لا يرضاه لمحارمه بحكم الشرع أولاً، فالشرع
يعتبر من يقبل الفاحشة في أهله ديوثاً، وهذا أسلوب من أساليب التحريم، وهو يرفض
ذلك من منطلق الفطرة السليمة التي لا تقبل الفاحشة خصوصاً في الأرحام، ويضع جملة
معترضة تعبر عن مدى ولائه وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويضع نفسه فداءً له،
وهذا من محاسن الردود التي كان الصحابة يخاطبون بها نبيهم.
5- الجانب
العملي والتطبيقي الناتج عن الحوار الهادف والثمرات المرجوة منه، وتمثل الجانب
التطبيقي بعد هذا الحوار في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للشاب بعد أن وضع يده
الشريفة على صدر ذلك الشاب فقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه وحصّن فرجه»، وهذا
الدعاء النبوي الكريم في صميم احتياجات ذلك الشاب وتلبية لما يعانيه من مشكلات
نفسية وجنسية.
وفي وضع النبي صلى
الله عليه وسلم يده الكريمة على صدر ذلك الشاب فيه مزيد من الاعتناء والقرب
والتواصل الروحي والعاطفي.
أما الثمرة التي
أسفر عنها ذلك الحوار، فهو ما قرره الراوي بقوله: «فلم يكن ذلك الفتى يلتفت إلى
شيء»، وهذه العبارة ربما تشير إلى أن ذلك الشاب كان محطاً للمراقبة من الناس حتى
شهدوا له بسلامة السيرة وحسن السلوك، فلم يقف أحدهم على مثلبة فيه لدرجة أنه لم
يكن يلتفت إلى شيء مما جاء يسأل عنه من إباحة الزنى أو مقدماته؛ كالنظر أو
الاختلاط أو غير ذلك.
إن أسلوب النبي صلى
الله عليه وسلم الذي اتبعه مع ذلك الشاب وهو الحوار الهادئ رغم الصخب الذي ساد
المجلس من قبل الحضور أسلوب تربوي مثمر أدى أغراضه بكفاءة، وأسَّس لمنهج إنساني في
التعامل مع السلوكيات الخاطئة التي تظهر من الأفراد بين يدي المربي، وهذا المنهج
النبوي الكريم قدوة صالحة للمربين يتأسون به وهم يمارسون التربية والتعليم.
اقرأ أيضا:
منهج
الحب النبوي.. كيف ربى النبي ﷺ جيلاً فريداً من الأطفال؟
5 أساليب تساعدك على تربية أطفالك
الحوار
البنَّاء.. معاملة تربوية مفتقدة