الحركات الصهيونية الجديدة وجوه وأجندات (6)

منظمة «أمانا».. حركة استيطانية أم منظمة اجتماعية؟

في 18 نوفمبر 2024م، سلطت وسائل الإعلام العبرية الضوء على حركة صهيونية استيطانية، ربما لم تأخذ حقها من الاهتمام من قبل، وهي منظمة «أمانا» الصهيونية، وذلك حينما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات عليها بسبب دعمها لأنشطة استيطانية بالضفة الغربية المحتلة؛ وهي ثالث دولة بعد كندا وبريطانيا اللتين فرضتا عقوبات على شركات بناء وثلاثة مستوطنين يعملون في زيادة رقعة البؤر الاستيطانية في أنحاء الضفة الغربية.

فقد فرضت كندا وتبعتها بريطانيا، في 27 يونيو 2024م، تلك العقوبات على منظمات صهيونية عدة من بينها «لاهافا» و«أمانا»، وغيرهما، وعلى عدد كبير من قادة حركات الاستيطان في الكيان الصهيوني، منها دانييلا فايس، رئيسة حركة «نحالا» الاستيطانية، وهي من الشخصيات المؤسسة والرائدة والبارزة في قطاع الاستيطان الصهيوني، خاصة في مستعمرات الضفة الغربية، ليزداد الاهتمام بالحركة الاستعمارية من جديد.

وفي 18 فبراير 2026م، أكد الموقع الإلكتروني العبري «الصوت اليهودي» أن منظمة «أمانا» تضغط على مستعمراتها في أنحاء الضفة الغربية للسماح بدخول العمال الفلسطينيين إلى مواقع البناء في تلك المستعمرات، بدعوى إتاحة فرص عمل للفلسطينيين بدلاً من تركهم دون عمل، حيث ادعى الموقع أن «أمانا» تمارس ضغوطاً على المستوطنات لدخول العمالة الفلسطينية إلى مواقع البناء، خاصة وأن 43% ممن أُجري عليهم استطلاع للرأي من فلسطينيي الضفة الغربية، قد أفادوا بأنهم لم يتمكنوا من توفير المال اللازم لشراء الطعام لأهاليهم خلال العام 2025، مقارنة بنسبة 33% في عام 2024، و28% في عام 2023م.

فضلاً عن كشف الاستطلاع أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يعانون من ضائقة مالية وتدهور في وضعهم الاقتصادي الذي يزداد سوءاً بمرور الوقت؛ وهو ما يعني أننا أمام سلاح ذي حدين؛ ما بين فتح فرص عمل لفلسطينيي الضفة، ومنه بناء مستعمرات صهيونية على أراض فلسطينية!

التأسيس

يؤكد الموقع الإلكتروني الخاص بمنظمة «أمانا» أنها تأسست في العام 1978م؛ بهدف الاستيطان في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري والجليل والنقب شمال وجنوب فلسطين المحتلة، حيث تعمل على إنشاء بؤر استيطانية ومستوطنات جديدة وتطوير القائمة منها، ويتركز نشاطها حاليًا في الضفة الغربية، فيما تتخذ من مدينة القدس المحتلة مقراً لها.

تعتبر «أمانا» الذراع الاستيطانية الرئيسة لمنظمة «غوش إيمونيم»، وهي حركة اجتماعية دينية قومية نشأت بعد حرب 6 أكتوبر 1973م، وعملت على إقامة المستوطنات في الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة وسيناء.

وتعمل المنظمة بمجال البناء في الضفة الغربية، من خلال فرعيها، شركتي «بار أمانا للإنشاءات والتطوير العقاري»، و«الوطن»، حيث تشمل أنشطتها على تشجيع استيعاب المستوطنين، وتخطيط وإنشاء بؤر استيطانية جديدة ومساعدة الحكومات الصهيونية في تلك المستوطنات، حيث تتكفل المنظمة بشراء الأراضي وتأجير الكرفانات كبداية لوضع اليد على الأراضي الفلسطينية، وبعدها بناء المنازل وتشكيل البؤر الاستيطانية بشكل كامل، بل وتدشين مدن استيطانية كاملة، من الألف إلى الياء؛ حيث تعرض على موقعها الإلكتروني منازل وشقق للبيع في المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، من خلال شركاتها العقارية.

ومن رواد الاستيطان فيها عوفرا وميفو حورون وكدوميم ومعاليه أدوميم، وهي كلها تقع داخل وفي محيط الضفة الغربية، بينما يشغل منصب الأمين العام للمنظمة منذ العام 1989م، زئيف حيفير (زامبيش)، ونائباه آفي روئيه، ويوسي داغان.

الأهداف

يشير الموقع الإلكتروني للمنظمة إلى أن أهدافها تتركز في استيطان المناطق الجبلية، بزعم أنها «المحمية الأرضية الوحيدة لشعب «إسرائيل» في أرضهم، في ضوء الزيادة المتوقعة في عدد السكان والكثافة السكانية في الأراضي المنخفضة والسهل الساحلي، والحفاظ على الظروف اللازمة لوجودها».

وتتمثل أهدافها الأخرى في استيعاب المهاجرين من جميع أنحاء العالم من خلال المساعدة في إعداد أطر الاستيعاب، والحصول على المساعدة المالية والرعاية الاجتماعية، وزيادة الوعي العام بمزاعم أهمية الاستيطان في كل مناطق الضفة الغربية بشكل خاص والأراضي الفلسطينية والعربية بوجه عام، عبر التواصل الشخصي مع المستوطنين والإعلان والتسويق لهم عن البؤر الاستيطانية والبناء فيها.

تقوم المنظمة بعمل دورات تدريبية للمستوطنين وتنظيم أمسيات شعرية وأدبية وفنية وإجراء مسابقات رياضية وورش عمل بشكل مستمر، من أجل تحفيز المستعمرين الجدد على البقاء في مستوطناتهم، وإقامة لقاءات تعارف بين المستعمرين القدامى والجدد، وعقد لقاءات دورية لكبار الحاخامات، وهو ما يشير إليه الموقع الإلكتروني للمنظمة.

التوظيف والاستيعاب

صحيفة «ذا ماركر» الاقتصادية العبرية أكدت، في 25 أكتوبر 2025م، أن المنظمة وبعض المنظمات والحركات الاستيطانية الأخرى وقعت اتفاقًا مع وزارة الهجرة والاستيعاب «الإسرائيلية»، بزعامة وزيرها أوفير سوفير، يقضي بتشجيع دمج المهاجرين الجدد في سوق العمل وجعل الهجرة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وسيلة للنمو الاجتماعي والاقتصادي للكيان الصهيوني؛ وهو الاتفاق الذي جاء بالتنسيق مع شركات خاصة ووكالات توظيف ورجال أعمال وشخصيات اقتصادية بارزة في «تل أبيب»، بزعم توظيف المهاجرين الجدد في مختلف المجالات، ودمجهم في سوق العمل، على اعتبار أنه مفتاح الاستيعاب الناجح لهؤلاء المستعمرين الجدد.

يأتي ذلك بالتوازي مع عرض المنظمة لمنازل وفلل وشقق سكنية جاهزة وكاملة التشطيب، بين فترة وأخرى بتخفيضات هائلة، من أجل العيش في مستعمراتها بأنحاء الضفة الغربية، خاصة في محيط مدينة الخليل، ومنها بؤر استيطانية نائية، وهو ما ذكرته «القناة العبرية السابعة» في 2 سبتمبر 2025م، حيث نشرت خريطة لمعرض جاء تحت عنوان «دعونا نجدد منزلنا»؛ كما أن المجلس الإقليمي الاستيطاني في الضفة الغربية «يشع» يرشح -على موقعه الإلكتروني- منظمة «أمانا» للمستعمرين الجدد من أجل الحصول على أفضل العروض لتلك المنازل أو الشقق الفاخرة والجاهزة في آن واحد، خاصة للشباب أو المستعمرين الجدد.

تقوم الحركة بتشجيع شباب المستعمرين للحصول على وحدات استيطانية بأسعار زهيدة، حيث يلجأ إليها هؤلاء المستوطنون للبحث عن بدائل للشقق الموجودة في مراكز المدن التي توصف بأنها باهظة الثمن، إذ من المزايا التي توفرها «أمانا» بدائل استيطانية في ضواحي المدن الكبيرة أو في المناطق النائية، وبمرور الوقت تقوم بعمليات بناء وتدشين الطرق الفرعية والرئيسة لتوصيلها وربطها بالمدن الكبيرة والمركزية من أجل عمليات التحفيز والتشجيع لغيرهم من المستعمرين الجدد.

الغريب أنه، في 25 فبراير 2007م، أعلنت منظمة «أمانا» عن عرض جديد، آنذاك، لليهود الأمريكيين، يقضي باستثمار الأموال اليهودية في بناء المستعمرات الجديدة في الضفة الغربية مقابل «إيجار» شهري، حيث أفادت صحيفة «غلوبس» العبرية في التاريخ نفسه، بأن المنظمة أقامت معرضاً هو الأول من نوعه في كنيس بولاية نيوجيرسي الأمريكية، تحت عنوان «ابنِ منزلك.. وقم بتأجيره للمستوطنين»، حيث يقوم المعرض على فكرة استثمار 120 ألف دولار في بناء منزل كامل التشطيبات في إحدى المستوطنات الصهيونية بالضفة الغربية، مقابل إيجار شهري قدره 250 دولاراً، وهي منازل كاملة بحدائق وجراج وغيرها من المميزات التي يطمح إليها كل مستعمر.

الصحيفة العبرية أكدت أن المعرض حظي بموافقة بعض الحاخامات، وكان الغرض منه التعبير عن «إذا كنت يهوديًا أمريكيًا، وجسدك في الغرب وقلبك في ضواحي الشرق، فلماذا لا تبني منزلاً في الأراضي، في أكثر المستوطنات حيوية؟ لتحقيق التملك، ولست مضطرًا للتخلي عن الحياة الجميلة في ضواحي أمريكا الصاخبة، يمكنك تأجير العقار لمستوطن «إسرائيلي» يرغب في ضاحية خضراء خاصة به في قلب الضفة الغربية، إنه ليس مجرد عمل خيري، بل سيشكُرُك حسابُك المصرفي على هذا الدخل الثابت، على حد قولها، وهي من الجمل والتعبيرات البلاغية التي كانت حافزًا لعدد من المستعمرين الصهاينة للاستيطان في الضفة الغربية.

أصول المنظمة وتمويلها

وهو المعرض الذي حمل، آنذاك، عنواناً آخر «في نفس الأماكن التي سار عليها أجدادنا.. استثمر أموالك في مكان تراخيص البناء الخاصة بها كاملة»، وهي مزاعم من أجل جذب الأموال الأمريكية، حيث ادعت المنظمة بحسب الصحيفة العبرية أن هذا الاستثمار «تعبير أيديولوجي عن حبهم لأرض إسرائيل»، والغريب أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد زعمت بأن حوالي 250 يهوديًا أمريكيًا قاموا بالفعل بالتوقيع مع منظمة «أمانا» على عقود شراء هذه الشقق أو المنازل جاهزة التشطيب في مستوطنات الضفة الغربية.

لم تذكر المنظمة الصهيونية الاستيطانية مصادر تمويلها، فلم يشر موقعها الإلكتروني إلى ذلك، كما أن وسائل الإعلام العبرية لم تشر إلى ذلك أيضًا، في وقت تقدر حركة «السلام الآن» الحقوقية «الإسرائيلية»، أن منظمة «أمانا» تلقت خلال الفترة من 2013-2015م، خلافاً للإجراءات والقوانين، أكثر من 94 مليون شيكل «إسرائيلي» (الدولار يساوي نحو 3.7 شواكل)، من جهات مختلفة في الضفة الغربية، مؤكدة أن أصول المنظمة في الوقت الراهن تصل إلى 600 مليون شيكل (نحو 161 مليون دولار).


اقرأ أيضاً:

«فتيان التلال» حركة يقودها شباب ويدعمها بن غفير ويلفظها العالم

«رواد باشان».. مشروع الاستيطان الصهيوني في سورية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة