الإنسان والجسد.. نظرات دينية وفلسفية (4)
ملامح اختلال معالجة الغريزة في اليهودية
يبقى السؤال
مطروحًا: هل كانت معالجة اليهودية للغريزة بها تمام السلامة أم اعتراها الخلل
المزري بتمامها؟ وهنا لا يجرمننا شنآننا لليهود على ألا نعدل في القول ونلتزم الحق
قدر الجهد؛ لأن الأمر بالعدل صريح في كتاب ربنا جل في علاه.
إنه، وكما سلف
الذكر، قد توافقت نصوص العهد القديم إلى حد كبير مع فطرة الإنسان والإسلام في
تناولها للغريزة ومعالجتها، فقد حضت على الزواج ويسرت سبله، وأغلقت الأبواب
المفضية إلى الانحلال، وشرعت عقوبة رادعة للمتجاوز المتمرد على التعاليم؛ لكن على
ذلك بقيت ثلمات في تلك المعالجة تعوز منا أن نقف عندها مليًا.
1- بين مطرقة الإثارة وسندان والعقوبة:
أول خلل أصاب
اليهودية في معالجتها للغريزة قد أتى من ورود نصوص كثيرة ذات فجاجة في ذكرها
للفاحشة، بحيث إنها تثير الرغبة في كثير ممن يطالعها، ولو كان يطالعها تعبدًا لله
وتقربًا، من ذلك ما اشتهر عن سفر «نشيد الأنشاد» من توصيف فج لجسد المرأة، توصيف
يثير غثيان كل ذي إيمان.
وكذلك ما ورد في
أسفار «حزقيال» و«هوشع» و«الأمثال» و«التكوين».. وغيرها، وكلها نصوص من شأنها أن
تشعل أوار الرغبة في كثير ممن يقرؤونها، وهم بما تشعل فيهم توقعهم في مأزق نفسي
مأزوم، فهي في مواضع أخرى تجرم التجاوز وتقبح المخالفة، فتجعلهم بين مطرقة الإثارة
وسندان النكير والعقوبة، فتكون بحالها هذا سببًا في الاعتلال والمرض؛ ما يقدح في
منهجها وينتقص من صلاحيته.
2- تشويه القدوات بزنى المحارم:
ثاني تلك
الثلمات تأتي أيضًا من نصوص متناثرة في الأسفار تتحدث في سفور وبغير حياء عن زنى
وقع للمحارم ومن المحارم، في سفر «التكوين» (19:30-38) ورود زنى ابنتي لوط مع
أبيهما، وفي ذات «السفر» (38:12-26) ورود أن يهوذا بن يعقوب زنى بثامار زوجة ابنه
المتوفى، وحملت منه سفاحًا وولدت توأمًا فارصًا، ورزاحًا! أما في سفر «صموئيل
الثاني» (الإصحاح الحادي عشر)، فقد ورد الأشنع مما سلف، وهو زنى نبي الله داود
عليه السلام بزوجة أوريا الحثي، وحملت منه سفاحًا!
فمثل هذه النصوص
لها تأثير سلبي لا يستهان به في تهوين الفاحشة في نفوس الكثير ممن يؤمنون بهذه
الأسفار، فسوف يكون منها تساؤل في سرائرهم لا محيص عنه: إن كان الأنبياء وأبناؤهم
على تلك الشاكلة، فكيف نكون نحن؟ وإن كانوا هم على جلالهم وقدسهم، لم يسلموا من
تلك الموبقة، فأنَّى لنا السلامة منها؟ فتجعل هذه النصوص أثر غيرها الآمرة بالعفة
والناهية عن التدني باهتًا وباردًا، فلا يؤتى أكله المرتجى.
3- التصور المقيت للذات الإلهية:
ثالثها، زد على
كل ما قد مضى، البناء العقيدي في الملة اليهودية، فقد جاء على غير وفاق مع المنطق
ولا مع مقتضى العقل، فقد بني على تصور مقيت للذات الإلهية، تصور لا يليق بالجليل
من المخلوقين، وجعلوه للخالق -تعالى عما يقولون- فقد صوروه واهنًا ضعيفًا يصرعه
مخلوق ويغلبه!
كما الحال في
سفر «التكوين» (32:22-32)، فقد جاء أن يعقوب تصارع مع الرب ويعقوب غلبه، وصوروه
يأسف ويندم، ففي سفر «هوشع» (11:8) أسف الرب على ما حل بشعبه وقال: «كيف أجعلك يا
أفراييم؟ قد انقلب على قلبي»، أسف، وكذلك ندم، كما ورد في سفر «يوئيل» (2:13):
«ارجعوا إلى الرب لأنه رؤوف رحيم ويندم على الشر».
فكل تلك النصوص
تزعزع العقيدة في القلوب وتشين قدسية الإله الموصوف بتلك الصفات؛ ما يجعل العقيدة
في محل شك لصلاحيتها عصمة لمعتنقيها من المروق عن تعاليم الدين، وهو ما كان من
أتباعها، فما التزم تعاليمها في قضية الغريزة إلا قلة من اليهود الأرثوذكس
(الحريديم)، والغالبية أبقت منها إلى الانفتاح والتحلل كما هو معلوم ومنظور في
كيانهم.
خلاصة الأمر أن
منهج اليهودية في تعامله مع الغريزة به اختلال واعتلال، يجعله غير صالح وغير جدير
بالثقة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً