مقاصد الشريعة وأخلاقها.. حصانة للمجتمع وتأمين له

في مطلع العام الجاري (2026م)، عاد العالم ليشهد واحدًا من أعنف الزلازل الأخلاقية التي هزّت ضمير المجتمعات وتصدّعت على وقعها صورة «الحداثة المتحضّرة»؛ فقد أعلنت وزارة العدل الأمريكية كشفها أكثر من 3 ملايين وثيقة وصورة وفيديو مرتبطة بالملياردير الأمريكي (المتوفى في سجنه) جيفري إبستين، المدان في قضايا الاتجار بالجنس واستغلال القاصرات، فيما عرف إعلاميًّا بـ«ملفات إبستين»، التي كشفت عن تورّط واسع النطاق لشخصيات نافذة في رسائل إلكترونية أثارت صدمة الرأي العام العالمي، وتربك النخبة السياسية والاقتصادية والإعلامية،

وقد شملت هذه الوثائق أسماء سياسيين كبارًا، ورجال أعمال، ومثقفين، وردت تفاصيلها في آلاف الصور والرسائل التي أُفرج عنها بعد سنوات من التشويق والسرية؛ ما أعاد إشعال الجدل حول مدى تغلغل الفساد الأخلاقي في صميم دوائر النفوذ، وطرح تساؤلات عن ارتباط السلطة بالاستغلال الجنسي، والمال بالقوة، فيما وصفه متابعون بأنه زلزال قيم عالمي.

لقد أظهرتْ هذه الأزمةُ كيف يمكن أن تتحالف الشهوة والمال والسلطة لتصنع شبكة من الاستغلال والابتزاز، تمتد آثارها إلى مصائر الشعوب وقرارات الدول، إنّها ليست مجرد فضائح فردية أو استثنائية، وإنما أعراض لخلل بنيوي حين تنفصل القيم عن مراكز القوة، وتتحرر الغرائز من الضابط الأخلاقي، ويُعاد تعريف الخير والشر بمعيار المنفعة المجردة.

وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة منذ قرون حين قال: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) (الإسراء: 16)، فربط بين الترف المنفلت وفساد القيادة وسقوط العمران، فحين تنحرف النخبة، ويتحول النفوذ إلى وسيلة لإشباع الشهوات، يكون ذلك إيذانًا بتآكل الداخل، ولو بقيت المظاهر الخارجية براقة متماسكة.

وفي مقابل هذا الاضطراب، يَبرُز السؤالُ الجوهريُّ: ما النموذج الذي يقدمه الإسلامُ لحماية المجتمعات من هذا الانهيار؟ وكيف بنت الشريعةُ حصانتَها الأخلاقية بحيث لا تتحول الغريزة إلى أداة تدمير، ولا السلطة إلى وسيلة ابتزاز، ولا المال إلى بوابة فساد؟ هذا ما نجيب عنه في هذه السطور.

منزلة المقاصد في الشريعة.. روح الحفظ وبنية الأمان

إنّ مقاصد الشريعة ليست تنظيرًا فكريًّا مجردًا، بل هي روح التشريع ونظامه الحاكم، وهي الإطار الذي تنتظم فيه الأحكام لتكوّن سياجًا شاملًا يحفظ الإنسان في دينه ونفسه وعقله وماله ونسله، وهذه الضروريات الخمس ليست تصنيفًا دراسيًّا فحسب، بل هي منظومة حماية متكاملة، تجعل من الأمن الأخلاقي جزءًا من البناء الشرعي العام.

قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، فالرسالة في جوهرها رحمة، والرحمة هنا ليست عاطفة مجردة، وإنما نظام تشريعي يحفظ المصالح ويدرأ المفاسد، ومن هنا كانت المقاصد جناحي الحفظ؛ حفظٌ للوجود بتنمية الصالحات، وحفظٌ للعدم بسدّ أبواب الفساد.

فحفظ الدين يحرس الضمير من الانفلات، ويربط السلوك برقابة عليا لا تخضع لمزاج السلطة، وحفظ النفس يصون الكرامة الإنسانية من الامتهان والاستغلال، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، وحفظ العقل يمنع تغييبَ الوعي، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: 90)، وحفظ المال يقيم العدالة ويمنع توظيف الثروة لإفساد المجتمعات، وحفظ النسل يحمي الأسرة من التفكك، ويصون الأعراض من العبث.

وهنا تتجلى الفكرة المركزية: المجتمع الآمن ليس مجتمعًا مُراقَبًا أمنيًّا، وإنما مجتمعٌ محروسٌ مقاصديًّا وضميريًّا.

حفظ النسل وتنظيم الشهوة.. الطريق العفيف

لقد اعترف الإسلامُ بالشهوة باعتبارها غريزةً فطرية، ولم يصادمْها بالإنكار، بل هذّبها بالتوجيه، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) (آل عمران: 14)، فالإقرار بالميل لا يعني التسليم بالانفلات، بل يقتضي وضع إطار مشروع لتصريفه.

وفي تفسير قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء: 27)، يقول سيد قطب: «وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال ديني، أو أخلاقي، أو اجتماعي.. يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح، من أي لون كان، السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب، ولا يسكن معه عصب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة، يريدون أن يعود الآدميون قطعاناً من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث بلا ضابط إلا ضابط القوة أو الحيلة أو مطلق الوسيلة! كل هذا الدمار، وكل هذا الفساد، وكل هذا الشر باسم الحرية، وهي -في هذا الوضع- ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة!

وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه، وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات، وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي، الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف، وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي، الذي لا عاصم منه إلا منهج الله حين تُقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله».

ومن هنا شُرع الزواج بوصفه الطريق العفيف لإشباع الغريزة في سياق المسؤولية والاستقرار، قال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) (الروم: 21)، فالزواج سكنٌ ومودة، لا علاقة عابرة ولا شهوة عارية من الالتزام.

وفي المقابل، جاء التحذير الصارم من الزنى، لا بوصفه مجرد فعل محرم، بل باعتباره بوابة انهيار اجتماعي، قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (الإسراء: 32)، وتأمل التعبير القرآني: (وَلَا تَقْرَبُوا)، فهو سدٌّ للذرائع قبل وقوع الجريمة، وبناءٌ للوقاية قبل العقوبة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج» (متفق عليه عن عبدالله بن مسعود)، فجعل الزواج حصنًا، وربط بينه وبين غض البصر، في منظومة متكاملة لحفظ العرض والنسل.

إنّ الفرق الحضاري يتجلى هنا بوضوح؛ في النموذج الإسلامي تُضبط الشهوة فتحفظ المجتمع، وفي النموذج المنفلت تُستثمر الشهوة فيُبتزّ المجتمع وتنهار قيمه وأخلاقه وروابطه.

الأخلاق الوقائية.. بناء الحصانة قبل العقوبة

لا تبدأ الشريعة بالعقوبة، بل تبدأ بالتزكية، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) (الشمس: 9)، فإصلاح الداخل هو الأساس في حماية الخارج، ومن هنا جاء الأمر بغض البصر؛ (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: 30)، فالنظر بوابة القلب، وإذا صلحت البوابة سلم الداخل، وغض البصر ليس تضييقًا على الحرية، بل تحريرٌ للنظر من التشييء، وصيانةٌ للوجدان من التلوث.

ثم يأتي الحياء، الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء شعبة من الإيمان» (متفق عليه عن أبي هريرة)، وجعله خلقًا رقيبًا يحجز النفس عن اقتحام الحرمات، فإذا ضعف الحياء؛ سقطت الحواجز النفسية، وأصبح المنكر مألوفًا.

ويأتي الورع، الذي يرفع صاحبه عن الشبهات، ويمنع تحالف السلطة مع الشهوة، والمال مع الفساد، قال صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي عن الحسن بن علي بن أبي طالب)، فالمجتمع الورع أقل قابلية للانهيار الأخلاقي؛ لأن ضميره حيٌّ قبل أن يتحرك القانون.

وتتوج هذه المنظومة بقاعدة سدّ الذرائع، التي تمنع المآلات الفاسدة قبل وقوعها، وتغلق المنافذ التي قد تتحول إلى شبكات فساد، وهكذا يتبين أن الشريعة لا تنتظر الفضيحة لتتحرك، بل تبني في الضمير ما يمنع وقوعها، ويقي من آثارها.

المقارنة الحضارية.. بين سلطة القيم وقيم السلطة

إذا تأملنا بعض الأزمات الأخلاقية المعاصرة، وجدنا أنها تكشف عن خلل في ترتيب الأولويات؛ إذ تصبح المنفعةُ مقدمةً على القيمة، وتُبرَّر الرذيلة بالمصلحة، وتُسخَّر الأخلاق لخدمة النفوذ، أما في الإسلام فالسلطة خاضعة للقيم، ولا تكون القيم خاضعة للسلطة.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90)، فجعل الأمر بالعدل مطلقًا، لا استثناء فيه لأصحاب النفوذ، وقال سبحانه في شأن الأعراض: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 19)، فحتى نشر الفاحشة مذموم، فكيف باستثمارها وتوظيفها؟

الرقي الحضاري ليس في وفرة التقنية، بل في صيانة الإنسان من أن يتحول إلى سلعة، والحضارة التي تفصل بين التقدم المادي والقيم الأخلاقية، إنما تبني بنيانًا على شفا جرف هارٍ، قد يبدو قويًّا في الظاهر، لكنه هشٌّ في الداخل.

الأمنُ الأخلاقي شرطُ العمران

إنّ أمن المجتمع لا يتحقق بالرقابة الإلكترونية وحدها، ولا بالقوانين المجردة، بل يتحقق حين تتجذر الأخلاق في الضمير، وتتحول المقاصد إلى ثقافة عامة، وإذا أردنا مجتمعًا طاهرًا نقيًّا، فعلينا أن نعيد الاعتبار لقيم العفة والحياء والورع، وأن نبني الأسرة على أساس الميثاق، وأن نربط السلطة بالمسؤولية الأخلاقية.

قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، فالأمن الأخلاقي مسؤولية جماعية، لا جهد فردي منعزل، وإذا كانت بعضُ الأحداث قد كشفت هشاشةَ حضارةٍ حين تنفصلُ عن الأخلاق، فإن الشريعةَ الإسلامية تقدم نموذجًا لحضارة يحرسها الضميرُ قبل القانون، ويصونها الحياءُ قبل العقوبة، وتُؤمّنها المقاصد قبل أن تحتاج إلى فضيحة تكشف عوراتها.

وهكذا تبقى مقاصدُ الشريعة وأخلاقها حصانةً للمجتمع وتأمينًا له، نظامًا يحفظ الكرامة، ويصون العرض، ويمنع الاستغلال، ويقيم العمران على أساس من الطهر والعدل، لتظل الأمة قادرةً على أن تقدم للعالم نموذجًا في النظافة الحضارية، حيث يُحترم الإنسان لذاته، وتُحاط حياته بسياج من القيم التي تجعل الأمن ثمرةً طبيعية لالتزامٍ أخلاقي راسخ، لا نتيجة خوفٍ مؤقت أو رقابةٍ عارضة.


اقرأ أيضا

مسؤولية حماية المجتمع من الرذيلة

بين مقاصد الشريعة وأحكامها

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة