محمد ديفيدز.. و«عربية القرآن»

د. مجدي سعيد

26 مارس 2026

173

من أقصى الطرف الجنوبي لأمتنا الإسلامية، وتحديداً من جنوب أفريقيا، جاءت التلبية الفريدة لواحد من أكثر الاحتياجات إلحاحاً وتكراراً واستمراراً لما يقرب من 90% من أبناء الأمة، من غير أهل اللغة العربية، وهي أن يستطيعوا فهم القرآن عبر فهم لغته الأصلية.

احتياج بسيط لكنه ممتد عبر التاريخ والجغرافيا، وهو الاحتياج الذي شغل عقل وقلب أحد أبناء هذه الأمة، وحرك جوارحه، وتحول لديه من هَمّ إلى همة، ومن همة إلى مشروع استغرق في إعداده عقداً كاملاً، 10 أعوام وهو يدرس ويخطط، ويبني حلاً منهجياً يلبي احتياجين في آن واحد، احتياج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، واحتياج المسلمين لفهم كتاب ربهم دون وسيط من ترجمة.

يقول محمد مرشد ديفيدز، في محاضرة حديثة ألقاها في 9 مارس 2025م (رمضان 1447هـ)، معبراً عن شعوره بهذا الاحتياج: ولدت في جنوب أفريقيا بعيداً عن العالم العربي، قريباً من الإسلام، كبرت وأنا أسمع القرآن يتلى في بيتنا، كنت أردد الآيات قبل أن أفهمها، أحفظ السور دون أن أعي عمق معانيها، كان القرآن حاضراً في حياتنا، لكنَّ بينه وبيننا حجاباً من اللغة، كنت أعيش مفارقة مؤلمة، أتلو كلام الله، ولا أفهمه إلا من خلال مترجم، وهنا كان يكمن السؤال الذي غيّر مسار حياتي؛ كيف يكون القرآن هادياً إذا كنت لا أمتلك مفتاح البيان؟

هنا قرر مرشد أن يذهب إلى الرياض ليحصل على درجة جامعية في الدراسات الإسلامية من جامعة الإمام محمد بن سعود، مع دبلومات في اللغة العربية من جامعة الملك سعود، ثم من معهد اللغويات في لندن، وذلك بعد أن كان قد حصل على درجته الجامعية الأولى من إحدى جامعات جنوب أفريقيا في علم الاجتماع، ثم يحصل على ماجستير في الترجمة العربية واكتساب اللغة الثانية من جامعة سالفورد بالمملكة المتحدة، ثم ليلتحق ببرنامج للدكتوراة في بريطانيا حيث يصمم من خلاله معجماً ثنائي اللغة لتكرار الأفعال في النص القرآني.

في علاقته بالقرآن مر «مرشد» بـ4 مراحل ذكرها في محاضرته سالفة الذكر؛ الأولى: كانت في الثالثة من عمره حين بدأ حفظ كتاب الله، أما الثانية: فكانت حين عزم على تعلم اللغة العربية وعلم التفسير، والثالثة: فكان حين بدأ في تعليم القرآن باللغة الإنجليزية للمعلمين المهنيين والأئمة والدعاة عبر 10 بلاد تقع في الجنوب الإفريقي.

أما المرحلة الرابعة والأخيرة: فكان حين قرر أن الأولى تمكين الشباب من فهم كتاب الله مباشرة عبر لغته الأصلية، وهنا كان أن عكف 10 سنوات للخروج بمشروعه «عربية القرآن».

هندسة اللغة في القرآن

يقول مرشد: إن المفارقة التي دفعته لخوض غمار الإعداد لهذا المشروع أن هناك حوالي مليار ونصف مليار مسلم يقرؤون كتاب الله دون فهم، وأن هناك –وفق تقديره– 150 مليون حافظ لكتاب الله لا يفهمون ما يقرؤون، وهذا هو التحدي، فالقرآن لم ينزل فقط من أجل الحفظ، خاصة وأن الله تعالى تكفل بحفظه، وأنه تكفل من خلال ذلك بحفظ لغة القرآن، وهل نزل القرآن فقط من أجل قراءته، خاصة مع مدح الله سبحانه في كتابه للذين يتلونه حق تلاوته، وحق تلاوته هو الفهم والعمل، كما يقول مرشد.

هنا بدأ مرشد مشروعه عبر دراسة هندسة اللغة في القرآن، فكما ذكر، فإن هناك في القرآن 77 ألفاً و400 كلمة، منها 5155 كلمة فقط لا تتكرر، وهناك 3680 اسماً في القرآن، و1495 فعلاً، و1700 كلمة ترد مرة واحدة، وهناك 400 كلمة تمثل 80% من كل الكلمات القرآنية.

ويشير مرشد إلى أن سورة «الفاتحة» التي يقرأها المسلم 17 مرة في اليوم والليلة على الأقل تتكون من 29 كلمة، لكن بدراسة الجذر اللغوي لتلك الكلمات نجد أنه مستخدم 7430 مرة في القرآن الكريم.

ولاستكمال عملهم درس فريق العمل موضوعات القرآن، والتعبيرات الشائعة فيه، والأدعية المشهورة، والمتقابلات، أو المتاضدات والمترادفات –إن وجدت– أو المتقاربات في المعنى، والمتلازمات في الورود في القرآن، والحقول الدلالية وما يرد في كل منها في القرآن، كما قاموا باستبيان حول كلمات القرآن التي يعرفها كل مسلم، حتى الأعاجم منهم.

كل تلك الدراسات التفكيكية للغة القرآن وغيرها، التي قام بها فريق كبير من العلماء بتمويل من عائلة مرشد ديفيدز في جنوب أفريقيا، كان الهدف منها في النهاية الوصول إلى بناء منهج تعليمي مدته، وهو ما حدث بالفعل حيث تم تصميم منهج مدته 700 ساعة يحقق هدفين؛ تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وتفهيم القرآن، وقد خرج هذا المنهج في 6 كتب، وتمت تجربته في 37 دولة.

رقمنة ومنصة تفاعلية

بدأ القائمون على المشروع رقمنة المنهج، عبر منصة تفاعلية، يتم عبرها تعليم عربية القرآن للناطقين بـ7 لغات، وجاري زيادتها إلى 11 لغة، وسوف يتم تحويل المنهج إلى تطبيق، ثم إدخال الذكاء الاصطناعي في دراسته.

وهنا لا بد من الإشارة إلى بعض الدلالات:

1- نظن أن ابتكار منهجية «عربية القرآن» أذكى ابتكار يحتاج إليه المسلمون في العالم الآن باختلاف لغاتهم، ونظنه بذلك سيكون أفضل منهج يمكن اعتماده عالمياً لتحقيق الهدفين المذكورين.

2- يبدو أن خدمة علوم العربية بمداخل ومقاربات مبتكرة لا تقتصر فقط على الناطقين بها، بل إنها تأتي أيضاً من غير الناطقين بها، من سيبويه ونحو العربية في القديم، إلى محمد مرشد ديفيدز ومنهج «عربية القرآن» في الحديث، وما بينهما.

إن هذا المشروع ودوافعه ومبرراته يؤكد ما سبق وقلناه حول حيوية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها كاحتياج أساسي للمسلمين حول العالم، ويشير في المقابل إلى أنه إذا لم يقم مركز الأمة الإسلامية متمثلاً في العالم العربي بدوره في هذا الصدد، فإن الأطراف تنتزع حقها في لغة القرآن إذا قام إنسان دؤوب ومجد ومجتهد ونابه مثل مرشد ديفيدز بذلك.

 


اقرأ أيضاً:

القرآن مفتاح العربية

تأثير القرآن في اللغة

هكذا حافظ القرآن على اللغة العربية من الاندثار

الهوامش
  • 1 المصدر: مراجعة محاضرة محمد مرشد ديفيدز في الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=C__eTG1eql4
  • 2 يمكن الاستماع للقاء معه ضمن سلسلة بودكاست "حكايات أفريقية" على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=neyihKuIsTw
  • 3 يمكن مطالعة منصة عربية القرآن من خلال الرابط التالي: https://quranicarabic.net/
  • 4 وعليها تعريف موجز بمحمد مرشد ديفيدز: https://quranicarabic.net/authors/murshid-davids
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة