يوميات متقاعد (19)

متعة السفر وحكمة الاختيار

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

بين متعة السفر.. وحكمة الاختيار

في 9 أبريل 2025م، كنا في مدينة بورصة التركية، تلك المدينة التي تجمع بين عبق التاريخ وهدوء الطبيعة، لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل كانت انتقالاً في المعنى أيضاً؛ انتقالاً من ضغوط العمل إلى سكينة التأمل، ومن رتابة الروتين إلى اتساع المشهد.

ومن باب المعلومة، فإن أكبر أربع مدن في تركيا هي: إسطنبول، ثم بورصة، ثم إزمير، ثم العاصمة أنقرة، هذا الترتيب لا يعكس فقط الكثافة السكانية، بل يعكس كذلك تنوعاً حضارياً وثقافياً يجعل من كل مدينة تجربة مختلفة.

في وقت الغداء، كانت السماء تمطر بغزارة، حملنا المظلات، ومشينا بخطوات هادئة نبحث عن مطعم نتناول فيه الطعام، كان المطر لوحة فنية متحركة؛ الأشجار الخضراء عن يميننا، والحدائق الغنّاء عن شمالنا، والطرق النظيفة أمامنا، والمجمّعات التجارية خلفنا، شعرت حينها أن المطر ليس مجرد ماء ينزل من السماء، بل رسالة تذكير بأن الجمال موجود لمن يتأمله.

دخلنا مطعماً نزوره لأول مرة، طلبنا بيتزا تركية شهية، مع حلقات بصل مقرمشة، وجلسنا نتبادل الحديث والابتسامات، في تلك اللحظة، امتزج جمال الطبيعة بلذة الطعام ومتعة الصحبة، أدركت أن السفر ليس في الفنادق الفاخرة وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الذكرى.

السياحة في بلادنا.. أولى وأجدر

وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا نبدأ سياحتنا بالبلاد الإسلامية والعربية قبل أن نتجه إلى البلاد الأوروبية والقارات البعيدة؟ فكثير منا يخطط للسفر البعيد بحثاً عن الطبيعة أو الهدوء أو الأجواء المختلفة، بينما بين أيدينا خيارات قريبة، جميلة، وأقل تكلفة، بل وأقرب إلى قيمنا وثقافتنا.

في أذربيجان مثلاً، مدينة باكو من أروع المدن، وهي على بعد ثلاث ساعات فقط بالطائرة من الكويت، وفي تركيا مدن خلابة مثل طرابزون، أوزنجول، ريزة، بولو، صبنجة، بودروم، فتحية، وغيرها الكثير من الوجهات التي تجمع بين الجبل والبحر والهواء النقي.

وفي آسيا، نجد ماليزيا وسريلانكا، حيث الطبيعة الساحرة والجبال الخضراء والشلالات والفنادق الهادئة، أما في البلاد العربية، فمصر بتاريخها العريق، والأردن بآثاره المهيبة، ولبنان بجمال جباله، وسورية بعمقها الحضاري، وتونس والجزائر والمغرب وليبيا بتنوعها الجغرافي والثقافي.

ولا ننسى دول الخليج، وعلى رأسها سلطنة عُمان بما فيها من تنوع مناخي مدهش؛ صلالة في موسم الخريف، ومسقط بسواحلها، والجبل الأخضر ببرودته المنعشة، وكذلك قطر، والإمارات، والبحرين، والمملكة العربية السعودية بمدنها المتنوعة مثل أبها والطائف وجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض والدمام.

وإن لم ترغب بالسفر خارج بلدك، فالكويت نفسها فيها الكثير؛ المجمعات التجارية الحديثة، وأبراج الكويت، وحديقة الشهيد، والشواطئ، والمرافق السياحية المتجددة، أحياناً لا نحتاج إلى تذكرة سفر، بل إلى عين ترى الجمال في القريب.

السفر.. وعي قبل أن يكون متعة

السفر متعة بلا شك، لكنه أيضاً اختيار، والاختيار مسؤولية؛ اختيار الوجهة، واختيار الفندق، واختيار ما نشتريه، وحتى اختيار الرسائل التي نبعثها لأنفسنا وأبنائنا أثناء الرحلة، فهل نغرس فيهم أن السفر استعراض؟ أم نعلمهم أنه تجربة تعلم؟ هل نعلمهم أن المتعة لا تعني الانفلات من القيم؟ أم نؤكد لهم أن القيم ترافقنا حيثما ذهبنا؟

السفر مدرسة مفتوحة؛ فيه نتعلم النظام، واحترام الوقت، والتعامل مع ثقافات مختلفة، وضبط النفس، والتخطيط المالي، بل إنه فرصة لتعميق الامتنان؛ فحين يرى الإنسان نِعَم الله في بلدان متعددة، يدرك أن الرزق موزع، وأن الجمال ليس حكراً على مكان.

العودة من السفر.. والدعاء سرّ التيسير

في 10 أبريل 2025م، وكان يوم الخميس، أقمنا في فندق خمس نجوم، وكان الإفطار مميزاً، أعدنا السيارة المستأجرة بعد تعبئتها بالوقود كما هو متفق، وسارت الإجراءات بسلاسة بفضل الله.

وهنا يتجلى معنى مهم: الدعاء رفيق السفر: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل..»؛ هذا الدعاء ليس كلمات تقال، وإنما شعور بالاتكال والطمأنينة، وحينما وصلنا إلى أرض الوطن قلنا: «آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون»؛ فالدعاء يجعل الرحلة عبادة، لا مجرد نزهة، يجعلها اتصالاً بالله قبل أن تكون اتصالاً بالعالم.

المقاطعة موقف مبدئي

حينما كنا في مطار إسطنبول، حرصنا ألا نشتري أي منتج يدعم الكيان الصهيوني، كان الأمر صعباً داخل المطار، لكن بالبحث وجدنا بدائل محلية، ومنها مشروب تركي يُسمّى «أولوداغ».

قد يكون سعره داخل المطار أعلى بكثير من خارجه، لكن من يرفع شعار المقاطعة يدرك أن المبدأ أسمى من فرق السعر، القيم لا تُختبر في السهولة، بل في المواقف الصغيرة التي قد يراها الناس عادية؛ فالسفر لا يعفي الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية، بل ربما يكون فرصة ليُظهر ثباته على ما يؤمن به.

صلة الرحم.. بركة بعد السفر

في اليوم التالي (11 أبريل 2025م)، وصلتني دعوة من الأهل والأقارب للسباحة في أحد الأندية الصحية في الكويت، استجبت فوراً، وكانت ساعة مليئة بالمرح والتواصل.

قد يظن البعض أن التعب بعد السفر عذر كافٍ للاعتذار، لكن صلة الرحم باب من أبواب البركة، إذا وصلتك دعوة من الأقارب، فكن حاضراً ما استطعت، هذه اللقاءات لا تعوّض، وهي زاد النفس قبل أن تكون ترفيهاً؛ فالرحلة الحقيقية ليست بين الدول فقط، بل بين القلوب.

خلك بالقمة

القمة ليست مجرد سفر جميل، ولا فندق فاخر، ولا مدينة خلابة؛ القمة أن تختار وجهتك بوعي، أن تبدأ بالأقرب قبل الأبعد، أن تحافظ على قيمك وأنت في الغربة كما تحافظ عليها في وطنك، أن تكثر من الدعاء في الذهاب والإياب، أن تتذكر قضايا أمتك وأنت تشتري وتختار، أن تصل رحمك بعد العودة، فلا تكون الرحلة سبباً للانقطاع بل سبباً للاتصال.

القمة أن تدرك أن السفر وسيلة، لا غاية، وأن الجمال الحقيقي ليس في الصورة التي نلتقطها، بل في المعنى الذي نحمله معنا بعد أن نعود، والله ولي التوفيق.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة