ما حق المظلوم في الأشهر الحرم؟
صرنا في زمان من
الصعب أن تحدد مكانا على الخريطة العالمية ولا تجد فيها مسلما مظلوما يطلب النصرة
إلا في مساحات محدودة جدا، ولقد جعل الله عز وجل للمظلوم حق في الدفاع عنه من قبل
إخوانه المحيطين به، وذلك يدخل في إطار دور المسلم في الحياة مع كل مظلوم حتى لو
لم يكن مسلما، وذلك ما قام به الأولون من الصحابة وتابعيهم وسلف هذه الأمة
العظيمة، وجعل للقتول ظلما سلطانا يقتص له، فيقول تعالى: "وَمَنْ قُتِلَ
مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا" [الإسراء: 33]، وقد جعل الله عز وجل الحق للمظلوم
في القصاص لنفسه بالعدل دون إسراف حتى لا يسود الظلم بين الناس، وليس من حق أحد أن
يجبره على التنازل عن ذلك الحق حتى لو كان ذا سلطة، وإلا لتحولت الحياة إلى فوضى،
يقول تعالى: "لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا" [النساء: 148] وقوله
سبحانه: "َالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ"
[الشورى: 39]، قال إبراهيم رحمه الله: (كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا
عفوا)[1]
وأما العفو فلا
يجب أن يطرق إلا إذا كانت هناك قدرة على القصاص وإنفاذ العدل، هنا يحق للمظلوم أن
يختار بين حقه وبين العفو عنه، أما قبل ذلك فهو مذلة وصغار وضعف لا يليق
بالمسلمين، وإذا كانت النصرة واجبة، فهي في الأشهر الحرم أكثر وجوبا لما لها من
حرمة، يقول تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ
شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ … مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فَلَا تَظْلِمُوا
فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ" (التوبة: 36)، يقول ابن كثير: " اختص من ذلك
أربعة أشهر فجعلهن حراما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح
والأجر أعظم، وقال قتادة في قوله: "فلا تظلموا فيهن أنفسكم": إن الظلم
في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا، من الظلم فيا سواه، وإن كان الظلم على كل حال
عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء"[2]، وبذلك يكون السكوت عن حق المظلوم
في الأشهر الحرم، ليس حيادا، بقدر ما هو مشاركة مخزية للمسلمين جميعا، فمن حقوق
المظلوم:
أولا: النصرة
واجبة في كل حال كحق للمسلم
والنصرة في
التصور الإسلامي ليست إحسانا على المظلوم، إنما هي حقه يجب أن يجتمع المسلمون عليه
حتى يردوه، وإن لم يفعل أحد فهم جميعا آثمون، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف
ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه" (رواه البخاري)، فهذا الحديث يؤسس لمفهوم
النصرة على وجهين: نصرة المظلوم برفع الظلم عنه، ونصرة الظالم بكفه عن ظلمه، ويقع
المسلمون في إشكالية التبرير حين يتعلق الأمر باستخدام القوة لوقف العدوان على
أخوانهم، فمنهم من يتعلل بالفتنة التي يجب تجنبها، وبعضهم يتعلل بالمصلحة، وأن ذلك
يتعارض مع مصالح البلاد والعباد، غير أن النص القرآني قد أسقط تلك المبررات بإباحة
القتال في الأشهر الحرم إذا انتهكت حرمات المسلمين أو دمائهم
ثانيا: الدعاء
على الظالم
والمظلوم عادة
هو الجانب الأضعف، وقد بلغ به ضعفه أن يتطاول البعض علي حقوقه فيظلموه فيها،
وباختصار فهو عاجز عن القصاص لنفسه بمفرده، ويحتاج في ذلك لإخوانه لنصرته، ويحتاج
للاستعانة بربه بالدعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من دعوة المظلوم فقال:
(اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (رواه البخاري)، وأخبر عن دعوة
المظلوم قول الله فيها: (لأنصرنك ولو بعد حين)، والنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه
قد دعا على من آذوه بإلقاء سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، فرفع يديه وقال: «اللهم
عليك الملأ من قريش، أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي مُعَيط»، ويعد
سبعة من صناديد المشركين، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: فوالله لقد رأيتهم صرعى
يوم بدر، ثم سحبوا إلى قَلِيب بدر فألقوا فيها بعدما انتفخت جثثهم" (رواه
مسلم)
ثالثا: حين
تتحول الشعائر إلى حجة للخذلان
ومن الانحرافات
المعاصرة أن يفصل المسلم بين مسؤوليته الأخلاقية والشرعية تجاه إخوانه المسلمين
المظلومين، وبين تعظيم الأشهر الحرم، فيعظمها بالصيام والذكر والصدقات، وهو لا
يدرك أنه يفوت على نفسه العبادة الأهم وهي كبح الظلم ونصرة المظلوم ، فيقول النبي
صلى الله عليه وسلم: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (رواه
مسلم)، ويقول في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة
يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" (أخرجه البخاري ومسلم)، فحرمة الأشهر
الحرم، والانشغال في العبادة والذكر، ليس مسوغا للقعود عن نصرة المظلوم ، وإنما
دافعا عظيما للتحرك تجاه المستغيثين وطالبي النصرة، لتصير الأشهر الحرم اختبارا
حقيقيا لجوهر تدين المسلم، وإلا فما معنى تعظيم الزمان، دون تعظيم الإنسان
رابعا: ومن حق
المظلوم استرداد ماله إن استطاع:
فيقول تعالى:
"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ
صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" [النحل: 126] وقال تعالى:
"وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" [الشورى: 40]،
فشرط القصاص واسترجاع الحق، أن يكون بمقدار ما أخذه منه الظالم ولا يعتدي، وإن عفى
فهو أفضل، شرط أن يكون قادرا على أخذ حقه
خامسا: على
المسلمين ألا يعينوا الظالم
وأما إعانة
الظالم فهي من المصائب العظيمة، فمن الواجب على الناس أن يقولوا للظالم: يا ظالم،
ويعرفوه بأنه ظالم ويمتنعوا عن إعانته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"من أعان ظالما ليدحض بباطله حقا، فقد برئت منه ذمة الله و رسوله"
(أخرجه ابن حبان)، وقال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ
بَعْدِي أُمَرَاءٌ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهمْ
وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهمْ ، فَلَيْسُ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ
بِوَارِدٍ عَلَيَّ حَوْضِي ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهمْ وَلَمْ
يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَسَيَرِدُ عَلَيَّ
الْحَوْضَ" (أخرجه أحمد)، وعلى المسلمين أن يرددوا دعاء: "واجعل ثأرنا
على من ظلمنا" (رواه الترمذي) [حديثٌ حسن رواه الترمذي]، وكان صلى الله عليه
وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أُظلم» وهذا من دعائه عند خروجه من
البيت
وأخيرا، فإن
جريمة الظلم في الإسلام محرمة تحريما مغلظا، وإن الله عز وجل لا يحب الظالمين، وهو
سبحانه لا يغفل ولا ينام، فإن لم يجد المظلوم من ينصره فذلك نذير شؤم على الأمة
كلها، وعليه أن يصبر ويحتسب ويصلح ما بينه وبين الله ويستعين به على ابتلائه، وحقه
عائد إليه لا محالة، ويكفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: وهي وصية النبي صلى
الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام؛ يقول الله: وعزتي
وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" (رواه الطبراني)
==================
الهوامش
[1] تفسر البغوي
7/197
[2] تفسير
القرآن العظيم لابن كثير ص 880