قراءة في تحولات الرأي العام..

لماذا يغيِّر الأمريكيون نظرتهم للصين؟

جمال خطاب

19 أبريل 2026

127

شهدت السنوات الأخيرة تغيراً ملحوظاً في نظرة الأمريكيين إلى الصين، وهو تحول يستحق التوقف عنده وتحليله في ضوء الأرقام والإحصاءات وآراء الخبراء والقادة السياسيين، فبعد فترة طويلة من التوتر والعداء، بدأت مؤشرات جديدة تظهر على الساحة تشير إلى أن المزاج العام في الولايات المتحدة تجاه الصين يتغير بشكل تدريجي، وإن كان لا يزال بعيداً عن التحول الجذري.

الأرقام تتحدث

تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الأمريكيين الذين ينظرون إلى الصين بشكل إيجابي ارتفعت من 14% في عام 2023 إلى 27% حالياً، هذا التحسن، وإن كان لا يزال أقلية، يمثل تضاعفاً النسبة تقريباً خلال عام واحد، وهو مؤشر مهم على أن المزاج العام بدأ يتغير.

في المقابل، انخفضت نسبة من يصنفون الصين كـ«عدو مباشر»، رغم أن الغالبية لا تزال تراها منافساً رئيساً للولايات المتحدة، هذا التراجع في «سينوفوبيا» (رهاب الصين) يعكس بداية تجاوز مرحلة التوتر التي بلغت ذروتها خلال جائحة «كوفيد-19»، حيث ارتبطت الصين في المخيال الأمريكي بالأزمة الصحية العالمية وما تبعها من جرائم كراهية ضد الآسيويين.

الثقة في القيادة الصينية مقابل التراجع في الثقة الأمريكية

من المثير للاهتمام أن نسبة الأمريكيين الذين يبدون ثقة في قرارات الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن الشؤون العالمية ارتفعت إلى 17%، وهي نسبة متواضعة لكنها أعلى بكثير مما كانت عليه سابقاً، هذا يعكس استعداداً لدى بعض الأمريكيين للنظر إلى الصين كقوة مسؤولة على الساحة الدولية.

في المقابل، انخفضت الثقة في سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه الصين إلى 39%، بتراجع قدره 6 نقاط مئوية عن العام الماضي، هذا التراجع يعكس حالة عدم اليقين التي تكتنف السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة مع تقلبات ترمب في ملف التعريفات الجمركية والحروب التجارية، مقابل الصورة التي تحاول الصين رسمها كقوة مستقرة.

الانقسام الحزبي والعمري

التحسن في النظرة إلى الصين ليس متساوياً بين جميع الفئات، فالديمقراطيون والشباب هم الأكثر ميلاً إلى رؤية الصين بشكل إيجابي، بينما لا يزال كبار السن (فوق 50 عاماً) يميلون إلى اعتبارها عدواً، تقول لورا سيلفر، مديرة الأبحاث في معهد «بيو»: هناك فجوة جيلية واضحة؛ فالشباب الأمريكي لا يحمل نفس الأعباء التاريخية للحرب الباردة، وهم أكثر عرضة للتأثر بالتبادل الثقافي عبر الإنترنت؛ ما يجعل نظرتهم للصين أكثر تعقيداً وأقل عداءً.

هذا الانقسام يعكس اختلافاً في التجارب والخلفيات؛ فالشباب أكثر تعرضاً للثقافة الصينية عبر الإنترنت والمنتجات المختلفة، بينما عاش كبار السن فترة الحرب الباردة وصعود الصين كقوة منافسة.

دور القوة الناعمة والفضول الثقافي

لا يمكن تجاهل دور القوة الناعمة الصينية في هذا التحول، منتجات مثل تطبيق «ريد نوت»، وسترات «تانج» من أديداس، وتماثيل «لابوبو»، أصبحت جسوراً للتواصل الثقافي بين الصين والعالم، متجاوزة جدار الحماية العظيم.

كما ظهرت ظاهرة جديدة على وسائل التواصل الاجتماعي تُعرف بـ«تشاينا ماكسينج»، حيث يتبنى الشباب الأمريكي عادات صينية مثل شرب الماء الساخن أو ممارسة التمارين التقليدية، هذه الظاهرة، وإن بدت سطحية، تعكس فضولاً ثقافياً متزايداً ورغبة في التعرف على الصين بعيداً عن الصورة النمطية السلبية.

التحول ليس أمريكياً فقط

من المهم الإشارة إلى أن هذا التحول لا يقتصر على الولايات المتحدة، ففي كندا، تضاعفت النظرة الإيجابية تجاه الصين 3 مرات، بينما بدأت بعض دول جنوب شرق آسيا تميل إلى الانحياز للصين على حساب أمريكا، هذا يعكس أن الصين نجحت في تقديم نفسها كقوة عالمية مستقرة، في وقت تعاني فيه السياسة الأمريكية من التقلبات وعدم الوضوح.

ماذا يقول الخبراء والقادة؟

يرى بعض الخبراء أن هذا التحول يعكس نجاح الصين في استخدام أدوات القوة الناعمة، إلى جانب إستراتيجيتها في تقديم نفسها كقوة مسؤولة ومستقرة.

يقول جوزيف ناي، مبتكر مصطلح «القوة الناعمة»: أفضل دعاية عدم استخدام الدعاية، القوة الناعمة للصين تنبع من ثقافتها التقليدية، ولكنها تواجه صعوبة في منافسة الديمقراطية الغربية طالما استمرت المنظومة السياسية المنغلقة في بكين.

في المقابل، يحذر قادة سياسيون أمريكيون من أن هذا الانفتاح قد يكون مؤقتاً، وأن الصين لا تزال تمثل منافساً إستراتيجياً طويل الأمد للولايات المتحدة.

يقول كريستوفر براي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي: لا توجد دولة تشكل تهديداً أوسع أو أكثر شمولاً لابتكاراتنا وأمننا الاقتصادي وأفكارنا الديمقراطية مما تشكله الصين.

هناك أيضاً من يشير إلى أن التغير في المزاج العام مرتبط بالاقتصاد؛ فمع اعتماد الأمريكيين على المنتجات الصينية في حياتهم اليومية، يصبح من الصعب النظر إلى الصين فقط كعدو.

ولذلك يرى إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، أن اقتصاد كل من الولايات المتحدة والصين يشبهان التوأم السيامي؛ فمحاولة فصلهما عملية جراحية ستؤدي إلى إصابات بالغة، إن لم يسبب الموت، لكلا الطرفين.

الاستقرار الصيني مقابل التقلب الأمريكي

تسعى الصين إلى تصوير نفسها كقوة عالمية مستقرة، مستغلة حالة عدم اليقين التي تميز السياسة الأمريكية، خاصة في ظل إدارة ترمب، هذا التباين بين الاستقرار والتقلب قد يكون أحد العوامل التي تدفع بعض الأمريكيين إلى إعادة النظر في موقفهم من الصين.

إن التحول في نظرة الأمريكيين إلى الصين لا يعني بالضرورة أن العلاقات بين البلدين ستشهد انفراجاً قريباً، لكنه مؤشر على أن المزاج العام بدأ يتغير، الأرقام تظهر أن هناك استعداداً متزايداً لدى الأمريكيين للنظر إلى الصين ليس فقط كعدو، بل كقوة منافسة وربما شريك في بعض المجالات.

القوة الناعمة الصينية، والانقسام الحزبي والعمري داخل الولايات المتحدة، والتقلبات في السياسة الأمريكية، كلها عوامل تساهم في هذا التحول، ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل سيترجم هذا التغير في الرأي العام إلى تحول فعلي في السياسات الأمريكية تجاه الصين، أم سيظل مجرد ظاهرة اجتماعية وثقافية مؤقتة؟

الهوامش
  • 1 Pew Research Center
  • 2 Chicago Council on Global Affairs
  • 3 Gallup Polls
  • 4 CSIS China Power Project
  • 5 NCAFP
  • 6 China Daily وThe Straits Times
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة