لماذا نملّ من العبادة في مواسم الطاعات؟ وكيف نعالج ذلك؟
لعلّ الصلاح
والثبات على الدين هما أسمى غايات المسلم وأكثر ما يلهج به لسانه دعاءً ورجاءً،
ومع ذلك، لا ينفكّ الملل يتسلل إلى النفوس الحريصة، ليفتر العزم بعد بضعة أيام من
الانضباط في نظام تعبديّ، والمفارقة تكمن في أن هذا الفتور يشتدّ أحيانًا في المواسم
الفاضلة التي يُفترض فيها التفرغ والتركيز، فإذا بها تنزلق عند البعض إلى مساحات
من الفراغ والتشتت، فما الذي يجري حقًا؟ وأين مكمن الخلل في هذه الظاهرة؟ وكيف
السبيل إلى العلاج؟
والملل هو فتور
يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شيءٍ ما حتى يصيبه الكِلال (التعب) ويورثه الإعراض
عنه.
وإذا جئنا
لتطبيق هذا المفهوم على الدين، وجدنا أن منظومة العبادات قائمة بطبيعتها على
التكرار والدورية؛ من صلاة يومية، وأذكار متكررة، وصيام، وقراءة للقرآن، وغيرها من
الأعمال التي تتكرر في حياة المسلم.
فهل يكمن سبب
الملل إذن في هذا التكرار؟ الحقيقة أن هذه طبيعة الدين منذ الأزل، ولم يكن هذا
التكرار سببًا في نفور السابقين منه، بل كان سرَّ حياتهم الروحية، لكن الذي استجد
في عصرنا هو جملة من التحولات في طبيعة الحياة الإنسانية جعلت الملل ظاهرة بارزة،
لا في الدين وحده، بل في الحياة نفسها.
تختلف الأسباب
باختلاف السياقات، لكن يمكن تلخيص أهم المداخل التي يتسلل منها الملل إلى النفس في
محورين رئيسين:
الأول: طبيعة العصر المعاكسة لسكينة الإنسان:
تغيرت بيئة
الإنسان المعاصر تغيرًا عميقًا، لا من حيث كثرة الملهيات والمشتتات فحسب، بل من
حيث التحوير في فطرته والخصائص الدماغية بما يُضعف دافعيته للحياة نفسها.
مثلًا، الجيل
الذي شهد بدايات الإنترنت كان يدرك صعوبة الوصول إلى المعرفة؛ إذ كان الاتصال
بطيئًا ومكلفًا، وكان تحميل كتاب إلكتروني يعدّ فتحًا معرفيًا حقيقيًا، وكان المرء
ينتقي بعناية ما يحمله حتى لا يستهلك الرصيد المحدود، فيقدّر ما يصل إليه ويعطيه
حقه من القراءة والتأمل.
أما اليوم، فقد
أصبح أسهل شيء هو ملء الهاتف والكمبيوتر بالكتب، حتى ينشأ شعور وهمي بأجواء علمية
ومعرفية دون أن يصاحب ذلك معايشة حقيقية لأيٍّ منها، وهذه الظاهرة تسهم في إضعاف
الصبر والتركيز، وبالتالي في نشوء الملل السريع.
الثاني: الذهول عن فقه النفس:
كثير من الناس
يدخلون مواسم الطاعات بقوائم نمطية جاهزة من الأعمال والبرامج التعبدية المُتعارف
عليها، دون أن يسأل أحدهم نفسه: ما الذي يصلح قلبي أنا؟ ما الذي يعينني على تحقيق
أحسن أداء لهذه العبادة ظاهرًا وباطنًا؟ ما العبادات التي أجدني مُيَسَّرَا لها
ميًّالًا إليها؟
يندفع الناس إلى
صلاة التراويح في جماعة طلبًا للثواب، وهذا أمر محمود لا يُستهان به، غير أن
الثواب ليس في صور الأعمال فحسب، بل في روحها كذلك، والشريعة مع ضبطها لصورة
العبادة لم تهمل جانب الروح والقلب؛ لأن أهواء النفوس ومداخل القلوب تختلف.
فقد يميل أحد
الناس إلى الخلوة، ويجد قلبه حاضرًا في العزلة، فيخشع في صلاته ويطيل في قراءته
ودعائه، فما المانع أن يجعل أكثر نوافله في خلوته بعد أن يشهد الجماعة في الفريضة؟
وفي المقابل، قد
ينشط أخوه في حضور الجماعة، ويستشعر لذة متابعة الإمام والوقوف مع المسلمين، فإذا
قارن نفسه بمن يحب الخلوة، ظن أن تلك الخلوة هي الأكمل، فحاول تقليده، فترك محاسن
الجماعة ولم يظفر بلذة الخلوة.
أما في حق
النساء، فالأمر أوسع، ومع ذلك نجد اختلافًا كبيرًا بينهن في تفضيل الصلاة في البيت
أو المسجد، وكأن حدود الشريعة وآداب التزكية لم ترسم لنا معالم مُفاضلة وموازنة،
كل بحسب طاقته وحاله التي هو أعلم بها من غيره.
والحاصل أن الله
تعالى وسَّع أبواب العبادات توسيعًا عظيمًا؛ من الصلاة إلى الصيام، ومن الصدقة إلى
الذكر، ومن قراءة القرآن إلى التفقه في الدين، ومن نفع الناس علميًا إلى نفعهم
عمليًا، ومن العبادة الفردية إلى العبادة الجماعية.
فكيف يطرق الملل
باب المسلم مع هذا الاتساع الهائل؟ الجواب أن كثيرًا منا يكتب على نفسه ما لم
يكتبه الله عليه؛ فيضيق على نفسه ما وسّعه الله، ويلزمها بقوائم التزامات لمجرد
أنها العرف السائد، دون استحضار أو حتى معرفة لمعاني العبادة أو لفضلها المأثور؛
فكيف يرجو الإنسان ثواب عبادة لا يعرف فضلها؟! وكيف يطلب رضا الله وهو ذاهل عن
قصده مما يفعل، مكتفٍ بمجرد مجاراة المجموع على ما اجتمع عليه والسلام؟!
مقترحات العلاج
1- الصبر:
الصبر مفتاح
الفرج، ومفتاح كل خير، وهو أساس تربية النفس؛ فلا بد أن يصبر المرء على بناء عادات
جديدة ستخالف قطعًا ما تربت عليه نفسه طوال سنوات عمره؛ لأن العادات السائدة في
عصرنا تقوم على الاستعجال والرغبة في الخلاص السريع والفوري واستسهال الجاهز
والمقشور والمختصر النتائج الفورية، وهذه العادات قد تبدو سهلة في بدايتها، لكنها
في النهاية تورث صاحبها كدرًا وعدم رضا عن النفس؛ لأنها تحرمه من تشكيل نفسه
وصقلها صقلًا نفيسًا.
ومما أُثِر عن
سيدنا عمرو بن العاص: لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي،
ولا أملُّ دابَّتي ما حَمَلَتْني؛ إنَّ الملال من سيِّء الأخلاق(1).
2- تعلم فضائل الأعمال والأذكار:
معرفة فضائل
العبادات تورث القلب حافزًا حيًّا لها، وتجعل العبد يؤديها وهو يستحضر قيمتها
وثوابها، لا بوصفها مجرد حركات متكررة.
3- مراجعة النية والقصد:
ينبغي للإنسان
أن يراجع قصده من كل وردٍ أو التزام تعبدي يرتّبه لنفسه، والمراجعة هنا تعني
أمرين:
أ- حضور الذهن
في تعيين النية والقصد، وعدم الانجرار بلا وعي.
ب- تذكير نفسك
بمقاصدها باستمرار، وهذا معنى تجديد النية؛ لأن الإنسان بطبعه كثير النسيان.
4- التنويع في العبادات:
من الحكمة أن
يكثر الإنسان من العبادات التي يجد قلبه حاضرًا فيها، لكن دون أن يحرم نفسه من
المشاركة في سائر أبواب الخير، وفي المثال سابق الذكر، من كان يجد خشوعه في الخلوة
فليجعل يومًا أو بضع أيام كل أسبوع – مثلًا – يصليها مع الجماعة، فينال من الثواب
الذي أنبأنا به المصطفى عليه الصلاة والسلام: إنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى معَ الإمامِ
حتَّى ينصرفَ حسبَ لَه قيامُ ليلةٍ(2)، والعكس فيمن يجد حضوره مع
الجماعة، فليجعل له نصيبًا من قيام الليل في الخلوة ولو ركعتين، مثل هذا التنويع
يحقق أمرين مهمين:
أ- تربية النفس
على التوازن وعدم الانحباس في نوع واحد من العبادات.
ب- حماية النفس
من أن يصبح الهوى الحاكم في اختيار الأعمال.
فالغاية في
النهاية هي تربية النفس على العبودية، التي تتضمن التذلل لله وإخضاع الهوى، لا
تضخيم الفرعون الصغير الكامن في داخل الإنسان.
5- التمييز بين الأصل والطارئ:
صحيح أن مواسم
الطاعات مؤقتة، وتتطلب أحيانًا تغييرًا مؤقتًّا في نمط الحياة المعتاد، لكن مبدأ التعبد
نفسه ليس طارئًا؛ بل هو أصل الوجود، فالمؤمن في عبودية دائمة لله طوال حياته، سواء
نشط أو فتر، وسواء أكثر في موسم وقلّ في غيره.
حين يستقر هذا
المعنى في النفس، يدرك المسلم أن العبودية رحلة ممتدة طوال العمر، متصلة بكل
منحنياتها، لا محطات عابرة تتخلل الحياة الطبيعية بدل أن تكون هي التي تصوغ طبيعة
الحياة، ثم هذا يفتح باب الأمل في رحمة الله تعالى وعفوه في كل حال، حتى لو كان
أحد مواسم الطاعة أقل حصادًا مما كان الإنسان يرجو؛ فطالما في الصدْر نَفَسٌ
يتردد، كذلك في النجاة أمل يتجدد، وهكذا إلى أن تبلغ الروح الحلقوم.
6- الخروج من فخ الانتظار:
من أخطر مداخل
الملل أن يعيش الإنسان في حالة انتظار؛ ينتظر الفرج، أو ينتظر تغير نفسه، أو ينتظر
أن يهبط عليه الصلاح، والصحيح أن الانتظار لا يُتَّخذ عملًا، بل ينبغي أن يُملأ هو
نفسه بالعمل، فانتظار الفرج عبادة قلبية تقوم على حسن الظن بالله والتطلّع لفرجه،
ثم يبقى العمل السلوكي والفعلي من ذكر وعبادة وسعي، أما البطالة فهي التي تفتح
أبواب الملل واليأس والقنوط من رحمة الله تعالى واستبطاء الإجابة، إلى آخر الأحوال
المعاكسة لما يقتضيه الإيمان من المؤمن.
ليس الملل في
مواسم الطاعات علامة على فساد النية بقدر ما هو تذكير بطبيعة النفس الإنسانية التي
تحتاج إلى فهمٍ وتربيةٍ وصبر، فالقلب لا يثبت دفعةً واحدة، بل يُهذَّب بالتدرج،
ويقوى بالمداومة، ويستقيم حين يجد طريقه الخاص إلى الله ضمن السبل الواسعة التي
فتحها لعباده، وإذا أدرك المسلم أن العبودية ليست برنامجًا موسميًا يثقل كاهله، بل
طريق حياة يتشكل بالتراكم الهادئ للأعمال الصادقة، خفّ عنه ثقل المقارنة والالتزام
القسري، واستبدل به سكينة السير المتدرج، عندها تصبح الطاعة رفيقًا يوميًا لا
عبئًا مؤقتًا، ويغدو الثبات ثمرة معرفة النفس ومعرفة الله معًا.
ولعل أعظم ما
يعين على دوام الطريق أن يتذكر المرء أن الله لا يطلب من عبده الكمال، وإنما يطلب
منه الصدق والمجاهدة، فمن صدق في طلبه، وأقبل بما يستطيع، وطرق أبواب الخير دون أن
يضيق بما وسّعه الله، فإن الله يفتح له من أبواب الثبات ما لم يكن يحتسب.
وهكذا تبقى الطريق إلى الله مفتوحة ما دام في القلب نبض، وما دام في العمر بقية؛ فالعبرة بالمثابرة والاستمرار، حتى يلقى العبد ربَّه وهو على طريقه سائر.
اقرأ أيضاً:
الفتور
الموسمي بعد رمضان.. 3 مفاتح للمصابرة والمثابرة
4 وسائل للثبات على الطاعة بعد رمضان
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً