الفجوة بين الأجيال..

لا تكن غريباً في عالم أبنائك

همام الطوالبة

09 فبراير 2026

147

إن المتأمل في أحوال بيوتنا المعاصرة يلحظ صدعاً غير مرئي يتسع يوماً بعد يوم، ليس هو بضيق ذات اليد، ولا بضجيج الخلافات المادية، بل هو بسبب ما يسميه الناس الفجوة بين الأجيال، تلك المسافة الشعورية والفكرية التي تجعل الأب وابنه يعيشان تحت سقف واحد بقلوب شتى وعوالم متوازية، حتى غدت البيوت أشبه بفنادق يسكنها غرباء، يجمعهم السجل العائلي وتفرقهم الاهتمامات.

إن وجود هذه الفجوة بين الأجيال سُنة كونية ناتجة عن تسارع الزمان واختلافه، خاصة في عصر سرعة المواصلات والاتصالات، لكن الخطر الحقيقي الذي يهدد كيان العلاقات الأسرية داخل البيت الواحد يكمن في تحول الاختلاف الطبيعي إلى قطيعة وجفاء، قطيعة تُحوِّل أفراد البيت الواحد إلى مجموعة من الجزر المنعزلة التي تعيش عوالمهما المنفصلة وتحدياتها المختلفة، ولكي لا يغدو المربي غريباً في مملكته، عليه أن يبني جسوراً من التواصل بين تلك الجزر المختلفة، ليشكل منها أرخبيلاً واحداً، تجمعها قيم الحياة الأسرية وأهدافها.

وإذا ما أردنا تلخيص أهم الأسس التي تقوم عليها تلك الجسور الجامعة، فيمكننا الحديث عن 4 أعمدة راسخة:

أولاً: الوعي بالزمان وتغيير العقلية التي تعالج تحديات الفجوة بين الأجيال:

إن أولى خطوات الإصلاح الاعتراف بأن أبناءنا خُلقوا لزمان غير زماننا، وقد قيل في الأثر: «لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»، إن إصرارنا على محاكمة جيل الذكاء الاصطناعي إلى معايير الزمن الماضي هو الذي يصنع أول عُقَد الجفاء بين الآباء والأبناء، تقبّل اختلافهم هو تذكرة العبور إلى قلوبهم؛ فالمربي الناجح هو من يتألف القلوب ولا ينفرها، مقتدياً بقوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159)، تبدأ الفجوة في التلاشي حين نكف أولاً وقبل كل شيء عن مقارنة أيامنا بأيامهم، وحين ندع لوم الجيل الجديد لصالح فهمه، وفهم لغته المختلفة في سياق عصره وشروطه وإمكاناته.

ثانياً: التنزل إلى عالمهم:

الأبوة والتربية لا تعني الوقوف على تلة شاهقة وإصدار الأحكام والأوامر، بل تعني النزول إلى عالم الجيل الجديد للتعرف عليه مرة بعد مرة، وتفهم حاجاته، وبناء لغة مشتركة معه، ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم أرقى نموذج؛ حين أطال سجوده في صلاته لأن حفيده الحسن بن علي رضي الله عنهما ارتحله، فآثر صلى الله عليه وسلم مراعاة مشاعر الطفل وحاجاته على وقار اللحظة، وقال: «كرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (رواه النسائي).

فلنتأمل هذا الرقي النبوي الكريم؛ لم يزجره صلى الله عليه وسلم ولم يعجله، بل نزل إلى مستوى طفولته ليمنحه أماناً عاطفياً يعطي دروساً عملية للأجيال.

واليوم، نجد أنفسنا مهاجرين رقميين في عالم أبناؤنا فيه مواطنوه الأصليون، لا تكن غريباً في هذا الفضاء؛ افهم تطبيقاتهم، واطلع على اهتماماتهم، لا لتمارس دور الشرطي، بل لتمارس دور الرفيق الخبير، فمن شاركهم اهتماماتهم اليوم، شاركوه أسرارهم وقراراتهم غداً.

ثالثاً: بين الصداقة والحزم:

يُخطئ بعض المربين حين يظنون أن ردم الفجوة مع الأبناء تعني ذوبان شخصية الأب وتحوله إلى زميل فاقد للهيبة والسلطة، والحقيقة أن الأبناء، خاصة في مرحلة التيه والحيرة، يبحثون عن قلب يحملهم وبوصلة ترشدهم وحكمة تأخذ بيدهم، والصداقة المطلوبة مع الأبناء هي الصداقة الواعية التي توازن بين الحب غير المشروط والحزم العادل، صداقة في الإنصات والمشاعر لتكون الملاذ، وتربية في القيم والحدود لتكون الحماية.

إنها المعادلة التي تجمع بين رقة نداء لقمان لابنه: «يَا بُنَيَّ»، وحكمة إبراهيم عليه السلام حين شاور ابنه في أصعب المواقف فقال: «فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ»، الصداقة الحقيقية هي الصداقة التي تقدر اختلاف ولدك عنك، فتتعرف عليه وتنصحه، وتمنحه الأمان ليُخطئ ويعتذر، لا التي تتملكه لتصنع منه نسخة لا تتوفر إلا في خيالك وطموحك.

رابعاً: النَّفَس الطويل:

ردم فجوة سنوات من الصمت لا يحدث في ليلة وضحاها، بل هو صبر ومصابرة، ثم توجيهات عميقة في فترة ممتدة من الزمان، قد تبادر نحو ولدك المراهق بخطوة فيقابلها بصدود أو سخرية، هذا ليس فشلاً، بل هو جزء متوقع من طبيعة المرحلة التي يمر بها، واختبار جدي لثباتك وحكمتك.

المراهق يحتاج إلى احترام استقلاليته، والشاب يحتاج إلى المشورة وتقدير طموحه وغايته، بالكلمة الحانية والضمة الدافئة تفتح مغاليق القلوب، والحب اللغة الوحيدة التي لا تتبدل بمرور الأجيال، تذكر قول الله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: 34)، فبالصبر الجميل، يتحول الجفاء إلى مودة، والشرخ إلى جسر متين.

إن أبناءنا لا يحتاجون إلى آباء لا يخطئون، بل يحتاجون إلى آباء حاضرين معهم بقلوبهم وعقولهم، وإن البيوت تُبنى بالحب وتُرمم بالصبر، وبادرتك بالاقتراب منهم هي استثمار في أغلى ما أعطاك ربك، بادر بالخطوة الأولى، واكسر صنم الكبرياء، واعلم أن الكلمة الطيبة التي تزرعها اليوم في قلوبهم، هي الظل الذي ستستظل به في كبرك، وتفرح به غداً عند لقاء ربك، وفي الدعاء نفع عظيم، اللهم آمين. 



اقرأ أيضاً:

4 أخطاء تربوية تزيد الفجوة بين الآباء والأبناء

في بيتنا مراهق.. حكاية قلب بين الطفولة والشباب

عقوق الآباء لأبنائهم.. الوجه الآخر للإهمال الأسري

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة