بين الدعاء والتحليل السياسي..
كيف يتوازن الخطاب الدعوي في زمن الصراعات؟
يتعرض الخطاب
الدعوي مع كل صراع كبير في المنطقة لأزمة إدراك لحقيقة هذا الصراع، وطبيعة الموقف
الدعوي الواجب اتخاذه، والفهم الشرعي الشامل الواعي لما يجري سعياً لإنتاج خطاب
يساهم في رفع وعي الناس، ويزيل الالتباسات التي تغلف الحدث وتجعل موقف المسلم
بعيداً عن الحيرة.
في حال الصراعات
الملتبسة والمعقدة، التي تحتاج إلى جهد فكري بجانب الرصيد الدعوي والإيماني،
وإدراك عميق للواقع، مثل حرب إيران، نلحظ انقساماً وارتباكاً في الخطاب الدعوي،
فيعلن كل فريق امتلاكه للصواب، وتسلحه بالنص دعماً لشرعية موقفه.
في حال تلك
الصراعات المعقدة المتداخلة، يحتاج الخطاب الدعوي أن يفكر بطريقة مختلفة تستحضر
أبعاداً متعددة، فبجانب الموقف الفكري، يحتاج إلى الرؤية السياسية، والنظر الممتد
للتاريخ والمستقبل معاً، مع فهم للبيئة الدولية والإقليمية والقانونية التي نشب
فيها الصراع، وطبيعة مصالح الأطراف وحقيقة التحالفات وقوتها وقدرتها على الصمود،
ويغلف ذلك الابتعاد عن التفكير بالتمنيات أو الاكتفاء بالخبرات السابقة.
وقد يكون من
المفيد استعراض بعض تجارب الخطاب الدعوي في الصراعات، لبيان تأثير هذا الخطاب على
الإسلام والمسلمين واقعاً ومستقبلاً.
الأندلس والزفرة الأخيرة
هذه خبرة لخطاب
دعوي أدت مقولاته إلى أزمة في لحظة حرجة من لحظات الصراع الأخيرة في الأندلس، ففي
تلك اللحظات كان الخطاب الدعوى والافتائي لا ينظر إلى الصورة الكاملة للصراع في
الأندلس، فقد كان عام 1610م الأكثر طرداً لمسلمي الأندلس، بعدما انتصرت حجج
المتعصبين النصارى لنظرية «نقاء الدم» الذين رفعوا شعار «لا تترك بذرة سيئة»؛ حيث
كانت الكاثوليكية تصر على النقاء التام لإسبانيا من المسلمين، ووصل عدد المطرودين
من المورسكيين (الاسم الذي أطلق على المسلمين الذين بقوا في إسبانيا بعد انهيار
الوجود السياسي للمسلمين في الأندلس) كان حوالي 275 ألفاً.
وسبق تلك الفترة
ارتباك في الخطاب الدعوي والإفتائي حول مسألة بقاء المسلمين تحت حكم وسلطة هؤلاء
النصارى المتعصبين الدمويين، خاصة أن المسلمين الأندلسيين الذين هاجروا إلى سواحل
المغرب كانت معاناتهم شديدة حتى إنهم فضلوا العودة مرة ثانية للبقاء تحت حكم
القشتاليين عن البقاء في تلك السواحل، وكان من الأسئلة المطروحة حينها: ما حكم من
عاد منهم إلى دار الكفر بعد حصوله في دار الإسلام؟
وهي أسئلة قد
تصدى لإجابتها الفقيه المالكي الجزائري أحمد بن يحيى التلمساني الونشريشي (ت 1508م)،
وتضمنتها رسالة بعنوان «كتاب أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى
ولم يهاجر وما يترتب على ذلك من العقوبات والزواجر»، وكانت خلاصة إجابته:
1- أن الهجرة من
أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة.
2- أن تلك
الهجرة الواجبة لا تسقط، ولا عذر للقادر عليها وقال: «والظالمون أنفسهم إنما هم
التاركون للهجرة مع المقدرة عليها».
3- تحريم هذه
الإقامة (أي في البلاد الذي استولى عليها النصارى) مقطوع به من الدين، كتحريم
الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل النفس بغير حق، ومن جوّز هذه الإقامة واستخف
أمرها، واستسهل حكمها فهو مارق من الدين، ومفارق لجماعة المسلمين.
ويعلق المؤرخ د.
حسين مؤنس في تحقيقه للكتاب بأن العلم في المغرب الأقصى وقف في القرن التاسع
الهجري عند مستوى الجمع والحفظ والتكرار، فغاب العلماء المجتهدون، وهؤلاء المقلدون
كانوا مقلدين يأخذون من هنا وهناك، ويخطئون في القياس ويتعسفون فيه، ويلقون
الأحكام جزافاً دون نظر للظروف الطارئة، ويقنعون بأقرب الموارد دون تكلف عناء بحث
أو دراسة.
ويقول مؤنس عن
مؤلف «أسنى المتاجر»: إنه لم يكلف نفسه أن يتقصى أحوال فيمن يفتي لهم وفيهم، ولم
يكلف نفسه التعرف على الأسباب التي تضطرهم إلى البقاء في الأندلس وتحول بينهم وبين
الهجرة إلى المغرب، ولم يذكر أنهم بشر ضعفاء عسير عليهم مغادرة الأوطان، ومعاهد
الحياة الطويلة، ولكن شيخنا يحفظ ولا ينظر، ويقسو على إخوان الدين وضعتهم صروف
الأيام بين حجري رحى تطحن ولا ترحم.
كانت نتائج ذلك الارتباك
مؤلمة، فأدت إلى هجرة الأغنياء والعلماء والوجهاء، أما البسطاء فتُركوا لأقدارهم
المرعبة في الأندلس بلا زعماء أو قيادات، يقول مؤنس: وقد فاته (أي الونشريشي) أن
ضعفاء الناس أكثر من الأقوياء، وأن العاجزين عن الرحلة والهجر هم الغالبية العظمى،
وأن الهجرة حينها لم تكن رحلة هينة، بل كانت أمراً عسيراً حافلاً بالصعوبات والأخطار
والمكاره، وقد غابت كل هذه النواحي الإنسانية عن صاحب الفتوى، وفاته أيضاً أنه كان
عليه وعلى أصحابه الشيوخ، قبل أن يصدر هذه الفتوى، أن يفعل شيئاً لاستنقاذ أولئك
الناس.
ارتباك في لحظات حرجة
ونشير هنا إلى
خطاب دعوي آخر إبان معارك فرنسا لاحتلال الجزائر في بدايات القرن التاسع عشر، حيث أدى
الجاسوس الفرنسي ليون روش دوراً في تضليل الخطاب الدعوي والإفتائي في الجزائر،
وسجل تجربته تلك في كتابه «اثنان وثلاثون سنة في الإسلام»، بعدما استطاع أن يكون
أحد الرجال المقربين من الأمير عبدالقادر الجزائري، بعدما ادعى الدخول في الإسلام.
كان الجدال
حينها في الخطاب الدعوي والإفتائي حول مسألة الهجرة من المناطق التي يحتلها
الفرنسيون على اعتبار أنها أرض حرب، وتأثر بتلك الفتاوى سكان العاصمة الجزائر، حيث
غادرها ثلثا السكان، وظهرت مجموعة من الفتاوى والرسائل التي أيد أغلبها الهجرة،
وأخرى عارضتها.
وجد الجزائريون
أنفسهم بين خطاب دعوي وإفتائي منقسم، يتسلح فيه كل فريق بأدلة شرعية، فالأمير عبدالقادر
كتب رسالة بعنوان «حسام الدين لقطع شبه المرتدين» عام 1843م، أفتى فيها بوجوب
الهجرة، ووصف القاعدين عنها بأنهم مرتدون، وفي العام التالي هاجرت بعض القبائل
الجزائرية القوية، مثل بني عامر، والحشم إلى المغرب، وهما من أقوى حلفاء الأمير
عبدالقادر.
وقد سجل أحد
العلماء الجزائريين المهاجرين للمغرب وهو الشيخ العربي المشرفي وقائع هجرته في
كتابه «طرس الأخبار بما جرى آخر الأربعين من القرن الثالث عشر للمسلمين مع الكفار»،
وأفتى بعدم تكفير من لم يهاجر.
يستمر ارتباك
الخطاب الدعوي والإفتائي عدة عقود، في ظل استمرار الهجرة بنسب متفاوتة حتى بداية
الحرب العالمية الأولى عام 1914م.
وما يؤيد هذا
الارتباك أن موقف الأمير عبدالقادر نفسه تغير من الهجرة بعد ذلك، فقد سمح لبعض
أقربائه بالعودة للجزائر مرة أخرى، وقال لأحد أصدقائه الذين يستفتونه في الهجرة: «لا
تسمع لقول من يقول: اذهب إلى القدس تقدسك، فاعلم أن الرجال تقدس البقاع، وليست
البقاع تقدس الرجال».
وعلى الجانب الآخر،
رأى بعض العلماء مثل الفقيه قدور بن رويلة، والشيخ علي بن الحفاف وجوب الهجرة، لكن
آخرين مثل المفتي مصطفى بن الكبابطي، ومحمد بن الشاهد، رأوا أن الفرنسيين لم
يمنعوا المسلمين من العبادة، وهناك حاجة ماسة لبقاء العلماء وسط العامة.
كان لكل فريق
حججه الدينية والتاريخية، وتبادل الطرفان الاتهامات، التي وصلت للطعن في العقيدة،
فكفَّر ابن رويلة العلماء والمفتين الذين يودّعون الجيش الفرنسي ويستقبلونه عند
خروجه لمحاربة المسلمين.
والغريب أن الكبابطي
الذي تمسك بعدم الهجرة، وجد نفسه مجبراً على الهجرة عام 1843م عقب صدامه مع
الجنرال الفنرسي بيجو عقب استيلاء الفرنسيين على الأحباس (الأوقاف) وإدخالهم
الفرنسية إلى الكتاتيب.
أما الفقيه ابن
الشاهد فرأى أن البقاء مع الكفار لا يعني الرضا بحكمهم، وإنما العجز هو الذي فرض
ذلك، وقال قولته التي يعتصرها الألم: «كيف يتصور في أذهانكم أننا نرضى بالكفر ونحب
معاشرة أهله؟! وقد غلت أسعارنا، وتقطعت صنائعنا، وانهدمت حوانيتنا، وتعسرت
مكاسبنا، وحفرت مقابرنا، ونبشت ضرائح أوليائنا، وما حصلت هذه الأشياء إلا بسبب
دخوله؟ وأي عز لنا في هذه الأشياء حتى نرضى بها؟ والله الذي لا إله إلا هو، نحن
إذا أصبحنا لا نريد أن يمسي معنا، وإذا أمسينا لا نرد أن يصبح معنا».
وأخيراً، فإن
قلة بضاعة المتصدرين للشأن الدعوى والإفتائي بالتاريخ والسياسة والواقع، تقود إلى
ارتباك وأزمات وربما كوارث في حياة الناس خاصة في زمن الأزمات والصراعات ذات الالتباس
والتعقيد.
اقرأ
أيضاً:
ركائز الخطاب
الدعوي في وقت الأزمات
التكافل
الاجتماعي وقت الحرب.. رؤية إسلامية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً