كيف وصف كاتب المأمون إضاءة المساجد في شهر رمضان؟ ..

محرر سحر البيان

13 فبراير 2026

116

قال أحمد بن يوسف: أمرنى المأمون أن أكتب إلى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد فى شهر رمضان، فأعيا علىّ ولم أجد مثالا أحتذي عليه، فبتّ مغموما، فأتانى آت فى منامى فقال: اكتب: «فإن فى ذلك عمارة للمساجد، وإضاءة للمتهجّدين وأنسا للسّابلة، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله جل وعز عن وحشة الظّلم» فانتبهت وقد انفتح لي ما أريد فابتدأت بهذا وأتممت عليه.

بيان وفوائد

يروي أحمد بن يوسف تجربةً ذاتيةً تمتزج فيها الوظيفة الإدارية بالإلهام الروحي، حين كلّفه المأمون بالكتابة إلى الأقاليم للحثّ على الإكثار من القناديل في المساجد خلال شهر رمضان  المبارك. ويكشف النص عن انتقال الكاتب من العجز والهمّ إلى الفتح والإبداع عبر رؤيا منامية، وهي تقنية سردية ذات بعد رمزي واضح.

السياق والدلالة العامة

المقولة تعكس مكانة المسجد في الوعي الحضاري الإسلامي، لا بوصفه مكان عبادة فحسب، بل فضاءً جامعًا للعبادة والأمن والطمأنينة والنظام الاجتماعي. كما تُبرز العلاقة بين السلطة (المأمون) والكتابة بوصفها أداة تنظيم وبناء وقبل ذلك تواصل وإبداع.

البنية السردية في النص:

يتدرج السرد عبر ثلاث مراحل:
التكليف والعجز: "فأعيا عليّ ولم أجد مثالاً أحتذي عليه" — تصوير صريح لأزمة التعبير وصعوبة الحصول على معنى مبتكر.
التحوّل عبر الرؤيا: المنام هنا مصدر إلهام، يشي بقدسية الفكرة وسموّ مقصدها.
التحقق والإنجاز: "فانفتح لي ما أريد" — لحظة الانفراج التي تُتوّج التجربة.
هذا التدرج يمنح نص الرسالة حيويةً ويقرّب القارئ من التجربة النفسية للكاتب.

التحليل البلاغي:

- الفقرة المركزية (نص الرسالة) قائمة على التعداد المتوازن الذي يُكسب المعنى قوة إقناعية وجمالاً إيقاعيًا:
عمارة للمساجد: بعد عمراني تعبدي.
إضاءة للمتهجّدين: بعد روحي شعائري.
أنسًا للسّابلة: بعد اجتماعي إنساني، فالسابلة أبناء السبيل.
نفيًا لمكامن الريب: بعد أمني أخلاقي.
تنزيهًا لبيوت الله… عن وحشة الظلم: بعد ديني رمزي، وفيه مقابلة بين النور والظلمة ذات حمولة معنوية واضحة.
ويُلاحظ اعتماد المصدر المؤوّل (عمارة، إضاءة، أنس…) الذي يضفي شمولاً وتجريدًا، فيجعل الفكرة صالحة لكل زمان ومكان.

القيمة الفكرية:

المقولة تؤسس لفهمٍ شامل لوظيفة الشعائر: فهي ليست طقوسًا معزولة، بل أدوات إصلاح وبناء. كما تُبرز دور الكلمة المكتوبة حين تصدر عن رؤية عميقة، وقدرتها على تحويل إجراء إداري بسيط إلى مشروع ذي أثر روحي واجتماعي.

خلاصة:

النص مثال بليغ على تلاقي الإبداع الأدبي مع المقصد الديني والاجتماعي، وعلى قدرة البلاغة العربية على تحويل التفاصيل اليومية إلى معانٍ كبرى؛ حيث يصبح النور لغةً جامعة بين العبادة، والأمن، والأنس، والجمال.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة