الحرب في ميزان القيم..
كيف نقرأ الصراع الإيراني - الصهيوأمريكي بعيداً عن الاستقطاب؟
أولاً: بين الصورة المبتورة والرؤية الشاملة:
إنّ الناظر إلى
الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد
يُصدر حكمه بناءً على صورة مبتورة لا تعكس كامل المشهد، فالمؤيد لإيران -بدافع
الإيمان أو المصلحة- يرى في التطورات الجارية خطر تمددٍ صهيو-أمريكي يهدد المنطقة
بأسرها، ويخشى أن تتجه بوصلة الصراع بعد طهران نحو تركيا، أو أن يتم الانفراد
بفلسطين وسورية ضمن مشروع إعادة تشكيل الإقليم.
وفي المقابل، لا
يرى هذا الاتجاه في مستقبل إيران إلا احتمالين؛ عودة نظام الشاه، أو تصدير الأزمات
إلى دول الجوار، بما يفتح أبواب اضطرابات جديدة في المنطقة.
غير أن قراءة
المشهد بعمق تاريخي، وربطه بسياق الأحداث المتراكمة، واستحضار دلالات الوحي في فهم
سنن التحولات الكبرى، تكشف صورة أكثر وضوحاً وتماسكاً، تتجاوز الانفعال اللحظي إلى
استيعاب أوسع للمآلات.
ثانياً: الظلم لا يتجزأ:
من أهم النقاط
التي يغفل عنها كثير من المتابعين أن الظلم لا يُدان انتقائياً، فلا يصح أن يقف
المرء ضد ظلمٍ في غزة، ثم يغض الطرف عن ظلمٍ في الأحواز أو العراق أو اليمن أو
سورية، إن نصرة المظلوم قيمة مطلقة لا تخضع لحسابات الهوى ولا لتوازنات السياسة.
فالوقوف ضد
القتل والتنكيل في فلسطين لا يمكن أن يكون مبرراً لتأييد سياسات قمعية أو مشاريع
توسعية في ساحات أخرى، منطق القيم لا يقبل التجزئة، والعدالة لا تُختزل في جغرافيا
محددة.
ثالثاً: حرية الشعوب.. معيار ثابت لا يتغير:
وكما أن الظلم
لا يتجزأ، فإن الدفاع عن حرية الشعوب لا يتجزأ كذلك، فمن ينادي بحرية الشعب المصري
أو السوري أو الفلسطيني، لا يمكنه أن يقف ضد حق الشعب الإيراني في اختيار نظام
الحكم الذي ينتسب إليه ويرضاه.
إن اتساق الموقف
الأخلاقي يقتضي الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها دون وصاية، ودون توظيف هذا
الحق لخدمة مشاريع خارجية أو حسابات آنية.
رابعاً: فزاعة «البديل الأسوأ»:
القول: إن بديل
نظام الولي الفقيه هو بالضرورة عودة الشاه، يُشبه إلى حد بعيد خطاب الأنظمة
الاستبدادية في المنطقة التي طالما خوّفت شعوبها من المجهول لتبرير بقائها، هذا
المنطق ذاته استُخدم في سورية ومصر وغيرهما؛ إما النظام القائم، أو الفوضى
والانهيار.
غير أن الواقع
الإيراني -كما في غيره- يشهد وجود تيارات وتكتلات معارضة متعددة، بعضها يرفض
الملكية صراحة وينادي بالجمهورية، وحصر المستقبل في خيارين متناقضين هو تبسيط مخلّ
لا يعكس تعقيد المشهد السياسي داخل إيران.
خامساً: وهْم «الواقعية» السياسية:
يتكرر في الخطاب
السياسي طرحٌ مفاده أن وجود عدوين ضعيفين خير من عدو واحد قوي، وكأن المشهد قابل
للتشكيل وفق رغبات المحللين، غير أن هذا الطرح يتجاهل سؤالاً جوهرياً: من يملك
فعلاً القدرة على فرض مسار الصراع أو منعه أو توجيهه؟
حين يندلع
الصراع خارج نطاق قدرتنا على التأثير المباشر، نغدو جميعاً في موقع المتفرج
المتفاعل عن بُعد، وعندها لا يكون من الإنصاف تبادل الاتهامات بشأن الفاعلية أو
التقصير، لأن أدوات الفعل الحقيقية ليست بأيدينا.
سادساً: قراءة في المآلات.. ما وراء الحدث الآني:
عند تجاوز ردود
الفعل اللحظية، ودراسة الأسباب والنتائج، واستقراء مسارات التحول، يتبدى أن ما
يجري ليس حدثاً منفصلاً، بل حلقة جديدة في سلسلة تحولات متسارعة تعيد تشكيل
المنطقة.
إن المنطقة تمر
بمرحلة مخاض تاريخي، تتساقط فيها توازنات قديمة، وتتشكل ملامح مرحلة جديدة، وفي
ضوء السنن الإلهية في التداول والتغيير، يمكن قراءة هذه الأحداث ضمن سياق أوسع من
الصراع السياسي التقليدي، سياقٍ يرتبط بسنوات فاصلة تشهد تحولات مفصلية تمهّد
لمرحلة مختلفة في تاريخ المنطقة والعالم.
هذا الفهم لا
يقوم على التمنّي أو العاطفة، بل على استقراء سُنن التاريخ، وربط الواقع بالوعد
الإلهي حيث يبعث الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، لينتهي زمن ويبدأ زمن
جديد وخلافة راشدة على منهاج النبوة تعيد للأمة توازنها بعد عهود من الاضطراب.
بين الواقع والتحول المنتظر
إن قراءة
الأحداث بمعزل عن خلفياتها التاريخية والدينية تجعلنا أسرى اللحظة، أما استحضار
الصورة الكبرى فيمنحنا قدراً من الاتزان والوعي بالمآلات.
وقد تناولتُ بعض
ملامح هذه الرؤية بتفصيل أوسع في كتابي «سنوات آخر الزمان»، حيث سعيتُ إلى قراءة
هذه المرحلة في ضوء السنن التاريخية ودلالات النصوص، ضمن إطار بحثي يحاول الربط
بين الواقع وتحولاته العميقة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً