كيف نغرس في أطفالنا ثقافة الجهاد؟

منى حامد

10 مارس 2026

39

مع تصاعد الأزمات في عالمنا الإسلامي، من الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023م إلى موجات التوتر الإقليمي المتكررة وحتى الحرب على إيران، والتصعيد الإيراني الحاصل ضد دول الخليج، أصبح أطفالنا عرضة بصورة يومية لمشاهد وأخبار الصراعات عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

هذا الواقع طرح أسئلة تربوية جديدة داخل الأسر والمؤسسات التعليمية حول كيفية تفسير هذه الأحداث للأطفال، وكيف يمكن تقديم المفاهيم الكبرى المرتبطة بالقيم الإسلامية، وعلى رأسها الجهاد، ذروة سنام الدين، والتضحية والدفاع عن الحق بطريقة متوازنة تراعي سن الطفل ونضجه النفسي.

الأمر هنا لا يتعلق بتلقين مفهوم ديني مجرد بقدر ما يرتبط بتشكيل وعي أخلاقي متوازن لدى الطفل، فالمؤسسات التربوية في مجتمعاتنا الإسلامية تؤكد أن التربية على القيم تبدأ مبكراً، وأن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة الأكثر تأثيراً في تكوين منظومته الأخلاقية.

إزاء ذلك، يبرز السؤال التربوي المركزي: كيف يمكن غرس ثقافة الجهاد لدى أطفالنا بوصفها منظومة قيمية مرتبطة بالإيمان، دون تحويلها إلى خطاب حاد أو مفهوم مشوش يمثل بيئة خصبة للتشدد أو التطرف؟

فقه الجهاد

مدخل الإجابة تناوله العلَّامة الراحل يوسف القرضاوي، في موسوعته «فقه الجهاد»، مشيراً إلى أن المدخل التربوي الصحيح لفهم الجهاد يبدأ من مفهوم جهاد النفس؛ أي مجاهدة الإنسان لنفسه في الالتزام بقيم الدين وأخلاقه والعمل الصالح، وقد تناول هذا المعنى بصورة موسعة مقدماً «دراسة مقارنة لأحكام الجهاد وفلسفته في ضوء القرآن والسُّنة».

في الجزء الأول من الدراسة يوضح القرضاوي أن الجهاد يبدأ بجهاد النفس والهوى؛ لأنه الأساس الذي تُبنى عليه بقية صور الجهاد، مشيراً إلى أن التربية الإسلامية التقليدية كانت تبدأ بهذا المعنى قبل الانتقال إلى بقية المفاهيم المرتبطة بالدفاع عن الأمة، وهو ما يمكن اعتباره أساساً في تثقيف الطفل، إذ إن هذا المعنى أقرب إلى فهم ونفس الطفل من معاني مواجهة الأعداء، خاصة في السن الصغيرة.

وفي تفصيل هذا المبدأ، يمكننا الاستناد إلى ما قرره الداعية والمفكر التربوي، عبدالكريم بكار، في كتابه «تربية الأولاد في الإسلام في ضوء الكتاب والسُّنة»، من أن التربية الإسلامية تهدف أساساً إلى بناء شخصية منضبطة أخلاقياً، قادرة على التحكم في رغباتها والالتزام بالواجبات، مؤكداً أن تعليم الطفل الانضباط والصبر والعمل الجاد يمثل في حقيقته تدريباً عملياً على مجاهدة النفس.

بذلك، يجعل هذا المدخل، الطفل، أمام فهم للجهاد بوصفه جهداً أخلاقياً يومياً، وليس مفهوماً يرتبط حصرياً بالصراع أو القتال، وهو ما يمكن تعزيز بمواكبة ذلك عبر سد لقصص السيرة النبوية في إطارها الشامل والعام بدلاً من تقديمها باعتبارها سلسلة من الغزوات والملاحم النبوية.

تشكيل الوعي

لكن، كيف يمكن تطبيق ذلك؟ في ضوء ما تقرره الدراسات الاجتماعية من أن الأسرة تظل المؤسسة الأكثر تأثيراً في تشكيل القيم لدى الطفل، حتى في عصر الإعلام الرقمي، فإن أساس عملية التربية يتمحور حول تعليم الطفل من خلال ما يراه في سلوك والديه أكثر مما يتعلم من خلال التوجيه المباشر.

وتعني هذه المسؤولية أن الآباء يمكنهم غرس قيم مثل التضحية والمسؤولية من خلال ممارسات بسيطة داخل البيت، مثل تشجيع الطفل على مساعدة إخوته أو المشاركة في الأعمال المنزلية أو الالتزام بواجباته، وغيرها من الممارسات اليومية التي تحول القيم الأخلاقية إلى سلوك عملي، وهو ما يسهل على الطفل فهمها وتبنيها.

تنوه الباحثة المختصة بالشأن الاجتماعي، د. بيان فخري، خلال حديثها لـ«المجتمع»، إلى أن الطفل يحتاج في مراحل نشأته الأولى الى امتلاك تصورات واضحة وبسيطة وثابتة عن الحياة وطبيعة الوجود الإنساني وغايته ومصيره، حتى يدرك وظيفة الإنسان على هذه الأرض وسبب وجوده فيها بصورة عملية سهلة الفهم، والوالدان هما من يتوليان ذلك منذ البداية وبأسلوب قصصي ماتع يناسب عمر الطفل.

الأمر بالمعروف

توضح الباحثة أن جهاد الإنسان لنفسه وإلزامها بالحق يجعله قادراً لاحقاً على تحمل مسؤولية الجهاد في سبيل الله لمحاربة الفساد والفاسدين من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن هنا تؤكد ضرورة تعليم الأبناء التمييز بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين المعروف والمنكر، وعدم الاكتفاء بمجرد معرفة هذا التمييز، بل الانتقال إلى التعبير عنه عملياً من خلال ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتوضح بيان أن ممارسة هذا الواجب تكون عبر 3 درجات، والأولى تكون باليد، أي تغيير الواقع الخاطئ والمنحرف بالأفعال المباشرة، مثل إماطة الأذى عن الطريق، والثانية تكون باللسان، وذلك بالكلمة الحسنة والنصيحة الصادقة، فيقال لمن أحسن: أحسنت، ولمن أساء أسأت مع نصحه وتحذيره وإرشاده إلى طريق الصواب حتى لا يستفرد به الشيطان ويجره إلى طريق الفساد، وحتى نزداد عدداً من الصالحين الذين يعمرون الأرض.

أما الدرجة الثالثة فتتمثل في المحافظة على الخير في القلوب وعدم إقناع النفس بتقبل الخطأ أو الانحراف أو تبريره مهما كان فاعله قريباً أو محبوباً، كأب أو أُم أو صديق، مع الدعاء لهم بالهداية ومجاهدة النفس على عدم تقليدهم أو الإقرار بفعلهم الخاطئ.

وبعد هذه المراتب يأتي الجهاد بالسلاح بوصفه مرحلة لاحقة مرتبطة بالدفاع عن الحقوق ومنع التعدي، إذ تشير بيان إلى أن حمل السلاح لا يكون إلا للمؤمن القوي الذي يمتلك القدرة على جهاد نفسه أولاً، ويلزم سلوكه بالاستقامة، ويأمر أهله وعشيرته وأقاربه وأصدقاءه بالخير.

عمارة الأرض

وتشير د. بيان كذلك إلى ضرورة التوضيح للأطفال أن الجهاد بالسلاح في الإسلام يأتي في سياق عمارة الأرض لا إفسادها، ومحاربة المفسدين لا التشبه بهم، فوظيفته تبدأ بردع العدو ومنعه من الاعتداء وإظهار القوة التي تحمي الأرض والممتلكات والحقوق، كما أن تأهيل الشباب للجهاد يسهم في تعزيز مهابة المسلم ويظهر قدرته ويمنع العدو من التعدي عليه، لأن إظهار القدرة على الدفاع والقوة يشكل عامل ردع أساسياً.

ومن هنا ترى الباحثة أن المسلمين مطالبون بإعمار الأرض مع امتلاك القدرة على الدفاع عنها، استناداً إلى مبدأ أن المؤمن القوي بعقيدته ونفسيته وجسده ومعرفته خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

وفي سياق بناء هذه القوة، على الطفل أن يعرف ويدرك أسباب القوة الحقيقية، وفي مقدمتها قوة العلم والمعرفة، وقوة الجسد، وقوة النفس المبنية على العقيدة والإيمان بالله وبالحق الذي يحمله الإنسان، فهذه العناصر مجتمعة هي التي تؤهله ليكون قادراً على مواجهة التحديات وتحمل المسؤوليات، وتجعله مدركاً لمعنى الدفاع عن الحق عندما يتعرض للعدوان.



اقرأ أيضاً:

5 وسائل لغرس حب الجهاد والاستشهاد

ثلاثية تهزم الخوف خلال أوقات الحروب

كيف نبني ملاجئ نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة