كيف علَّمنا التاريخ أن وحدة الأمة سبب استقرارها وانتصاراتها؟

محمد الحداد

21 أبريل 2026

67

عندما ننظر بتأمل إلى التاريخ الإسلامي، نقف أمام ظاهرة فريدة: كيف استطاعت أمة خرجت من صحراء العرب الجدباء متفرقة متناحرة؛ أن تبني دولة مترامية الأطراف، وتؤسس نظاماً سياسياً وإدارياً حكيماً، وتعمّر الأرض قروناً طويلة؟!

كثيرون قد بحثوا عن الإجابة في الفتوحات والمعارك فحسب، ولكن الحقيقة الأعمق تكمن في عامل آخر كان مبدأ جميع ذلك؛ وهو الوحدة الداخلية فيما بين عامة الأمة، ذلك الأمر الإلهي الذي حوَّل قبائل متفرقة ثم أجناس شتى إلى أمة متماسكة، ونفوساً متباينة إلى جسد واحد، وأصحاب أديان كثيرة إلى أهل التمسك بأخوة إيمانية فريدة.

وصدق الله العظيم حين قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).

وفي هذا المقال نستعرض 3 وقائع تاريخية كانت الوحدة فيها عاملاً حاسماً في مسيرة الأمة الإسلامية؛ سواء في استقرار عمرانها أو انتصارها على أعدائها.

«المسلم أخو المسلم».. غرس البعد المعرفي

كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة بناء المسجد، فهو المركز ولبنة الجماعة، ثم تلاها بتأسيس نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهو أروع ما وثقت به مشاعر الحب والمودة، والنصرة والحماية، والمواساة بالمال والمتاع، حتى إن الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا»، فقالوا: تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة، فقالوا: سمعنا وأطعنا. (رواه البخاري، 2719).

وكانت المؤاخاة أخص من الأخوة العامة بين المؤمنين جميعاً، فقد بلغت الغاية حتى إنها أعطت للمتآخين الحق في التوارث دون أن يكون بينهما صلة قرابة أو رحم، وذلك قبل أن يُنسخ هذا التوارث فيما بعد وبقيت الأُخوَّة في قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال: 75).

فنرى من ذلك أن الوحدة الاجتماعية في المدينة خصصت بالوحدة المكانية في المسجد ثم وحدة الأرواح بالمؤاخاة، وقد كان ذلك أصل المنطلق المعرفي لكل توحد حصل فيما بعد في تاريخ الأمة الطويل.

توحيد الجزيرة العربية.. الاجتماع كضرورة وجودية

لحظة حرجة مرت بها الأمة الإسلامية في صدرها كادت أن تنهي سلطانها بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك حين ارتدت العرب فاتبع فريق منهم المتنبئين الكذابين، وامتنع فريق منهم عن أداء الزكاة، وكان ذلك في وقت قد فتحت جزيرة العرب على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وعقد الراية لأسامة بن زيد رضي الله عنه مبعوثًا إلى الشام بغرض التمهيد لفتحها، فحصل ما لم يكن في حسبان المسلمين من بعثرة البيت الداخلي. 

وهنا وقف خليفة النبي صلى الله عليه وسلم الراشد الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه موقفاً تاريخياً حاسماً، معلناً بحزم للجماعة المسلمة عزمه عن إخضاع جميع طوائف أهل الردة لشريعة الإسلام، فقد أدرك الصدِّيق أن أي انقسام أو تنازع بين المهاجرين والأنصار أو بينهم وبين من دونهم من القبائل العربية سيمزق الدولة الناشئة ولا محالة، ومن هذه الوجهة فلم تكن حروب الردة مجرد حرب على أفراد أو قبائل أو حتى أفكار، بل كان مشروعاً لتوحيد الجزيرة العربية مهد الإسلام ورأس المسلمين تحت راية واحدة.

وبفضل هذه الرؤية الثاقبة تم قمع الفتنة وتوحيد الجزيرة العربية، لتخرج الأمة الإسلامية من أزمتها الوجودية أقوى مما كانت، وتبدأ عهدًا جديدًا من الفتوحات التي لم يتوقف مدها قرونًا عدة بعد تلك اللحظة الحاسمة بزمن ليس بعيد، فرغم ما قضاه الصدِّيق في سنتين في توحيد جزيرة العرب؛ فقد تلا ذلك فتوحات عظيمة في العراق والشام ومصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي لم يُتصور لها أن تكون من غير ذلك.

صلاح الدين الأيوبي.. توحيد الأمة سبب النصر

ليس من حسن العقل النظر إلى لحظة الانتصار واستلهامها قبل معرفة ما سبقها من أسبابها، وإن المشهور المتردد على الألسن عن الناصر صلاح الدين الأيوبي لحظة النصر وفتح بيت المقدس دون النظر فضلًا عن تأمل مجهود السنوات الذي بذله لتوحيد الأمة قبل النصر المؤزر في «حطين» الذي كان سببًا لفتح بيت المقدس فيما بعد.

فإن صلاح الدين قد استتب له سلطان مصر إبان وفاة أستاذه نور الدين محمود زنكي الذي تبعه ترسيم ابنه الصالح إسماعيل مكانه، ولما كان إسماعيل حدث السن فتح ذلك باب طمع على بعض الأمراء الذين نصبوه سلطانًا شكليًا في الشام ثم استأثر كل واحد منهم بشيء من التركة، وقد راسلوا صلاح الدين -وهو السلطان القوي الذي يُخشى عليهم منه- أن يبقى في مصر ولا يفكر في توحيد الشام وضمها إلى ذلك المعسكر، وذلك مما يأباه ما تربى عليه من السعي في توحيد الأمة من أساتذته في البيت الأتابكي، وعلمه اليقين أن استنقاذ بيت المقدس ورجوعه إلى المسلمين لن يحدث قبل توحيد مصر والشام.

فأجاب عن رغبة هؤلاء الأمراء بقوله: «لو استمرت ولاية هؤلاء القوم تفرَّقت الكلمة.. إنا لا نُؤثِر للإسلام وأهله إلا ما جمع شملهم، وألَّفَ كلمتهم، وللبيت الأتابكي -أعلاه الله- إلا ما حفظ أصله وفرعه، ودفع ضره وجلب نفعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، والمحبة إنما تظهر آثارها عند تكاثر أطماع العداة، وبالجملة إنا في واد، والظانون بنا ظن السوء في واد» (يراجَع: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب لابن واصل الحموي، 1/ 42).

ثم بذلك من عمره 12 عامًا في السعي لتوحيد مصر والشام، فأخذ حلب من الصالح إسماعيل وأبقاه عليها، ثم كسر شوكة الحشاشين الذين حاولوا اغتياله مرارًا، ووحّد ما قدر عليه من بلاد الشام وضمها إلى الجزيرة الفراتية والموصل، فتمت الوحدة وثبت بذلك ملكه وعظُم جيشه، فقدر على الإحاطة بمحتلي بيت المقدس من سائر الجوانب، فجنى بذلك ثمرة شجرة سقاها وراعاها أسلافه العظام؛ وحرَّر أخيرًا بيت المقدس.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة