العناد الطبيعي عند الأبناء (6)
كيف تعامل النبي ﷺ مع العناد الطبيعي؟
كثيراً ما يتعامل المُرَبُّون خاصة الآباء والأمهات مع عناد الأبناء بطريقة خاطئة، فيرون العناد خصومة تستوجب البتر، ولا ينظرون للعناد كلغة تحتاج إلى الفهم، وبينما هم منشغلون في مقاومة السلوك العنادي يفوتهم ما هو أعمق؛ وهو أن خلف العناد طفلاً يبحث عن نفسه وذاته وكرامته، ويطلب مساحة من الحرية تُشعره أنه حاضر ومسموع، ولذلك لا بد أن نعلم أن أول خطوة في تحسين سلوك العناد ليس كَسْره، بل قراءة صوته الخفي.
وهذا ما تُوجهنا
إليه الدراسات العلمية في علم النفس الحديث في كيفية فهم العناد والتعامل معه
تعاملاً إيجابياً، تعاملاً يبني ولا يهدم، تعاملاً يُقلل من نار العناد، وقد سبق
علم النفس الحديث في هذه الجُزئية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وفهمه الراقي
والعالي للعناد، وتفهمه لحالات النمو عند الأبناء حسب أعمارهم، وكيف ينجح المُربي
في تقليل الصدام مع الأبناء، واحترام المُرَبِّي للطفل.
وهذا ما فعله
النبي صلى الله عليه وسلم مع أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول أنس: كان رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا
لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا
أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ
عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ
وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟»، قَالَ:
قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ..»(1).
وهذا الحديث
النبوي البديع يكشف لنا جانباً مُدهشاً من التربية النبوية، يسبق نظريات التربية
الحديثة في فهمه لنفسية الطفل واحتياجاته الداخلية، فأنس وهو غلام صغير لم يُنفذ
الأمر مباشرة، بل قال: «والله لا أذهب»، وفي نفسه أن يذهب، وهذا نموذج حيّ وواقعي
لسلوك يشبه ما نسميه اليوم بالعناد الطبيعي أو الرفض اللحظي، ومع ذلك لم يقابل
النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الموقف بالغضب ولا بالتوبيخ ولا بالنقد، بل قابل
هذا السلوك بما يُرسخ احترام الذات في نفس الطفل.
«أمسك النبي صلى
الله عليه وسلم بقفاه برفق، فالتفت أنس، فإذا هو يضحك»، تأمل هذه اللحظة؛ إنها
ليست ضحكة سخرية، بل ضحكة مُرَبٍّ عظيم يعرف أن الطفل لا يتحدى مكانته، بل يعيش
لحظة طفولية عفوية، ضحكته رسالة تقول: أنا أفهمك، وأقدر طفولتك واحتياجاتها، ولا
أجعل خطأك حاجزاً بيني وبينك.
ثم قال له صلى
الله عليه وسلم: «يا أُنيس..»، يا لها من لمسة تربوية! فتصغير الاسم هنا ليس
استصغاراً لشخصه ولا لشأنه، بل هي لغة حنان وعاطفة، لغة من يعرف أن الطفل يبني
احترامه لذاته من الطريقة التي يُخاطَبُ بها، ومن كيفية تعامل من حوله له.
ثم سأله بلُطف: «أذهبتَ
حيث أمرتُك؟»، ولم يقل له: لماذا لم تذهب؟ أو ألم أقُل لك أن تذهب؟ أو أين كنت؟
فلم يكن همه صلى
الله عليه وسلم التوبيخ والنقد والعقاب، وإنما جُلّ همه مُنصب في تعديل السلوك،
ومراعاة حالة الأبناء، وأحوالهم النفسية.
ما الذي يكشفه لنا هذا الحديث النبوي؟
1- عدم تحطيم العناد بل احتوائه:
كان يمكن للنبي صلى
الله عليه وسلم أن يُوبخ أنساً لأنه خالف أمره، لكنه اختار أن يحتضن إرادته بدلاً
من كسرها، أمسك بقفاه ضاحكاً ليقول له بلسان الحال: الخطأ لا يهدم قيمتك عندي،
هكذا يُعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن العناد لا يُقمع، بل يُهذَّب ويُحتوى،
وأن الطفل إذا حُفظت كرامته لانقادت نفسه للصواب دون مقاومة، فالتربية الحكيمة
تلتقي بين حاجة الطفل للإرادة وحاجة البيت للنظام.
2- احترام مرحلة الطفولة واحتياجاتها:
من هذا الحديث
نستنتج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى الطفولة مرحلة لها وزنها، ولها
إيقاعها الخاص، فلا يُطالب الطفل بما فوق طاقته، ولا يُعامله كراشد لديه الوعي
الكامل، بل يُعامله كشخص في طور نمو يحتاج إلى الحنان واللين أكثر من المحاسبة
والغِلظة، وكان صلى الله عليه وسلم يحترم حتى اللعب عند الأطفال، ويُعلم الأمة في
أعظم العبادات (الصلاة) أن اللعب شيء طبيعي ولازم للأطفال وحاجة أساسية.
فعَنْ عَبْدِاللَّهِ
بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم فِي إِحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِي(2)؛ وَهُوَ حَامِلٌ الحسن أو
الحسين، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ، ثُمَّ
كَبَّرَ لِلصَّلاةِ، فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِهِ(3)
سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى
ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ في
سُجُودِي.
فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِكَ هذه سَجْدَةً أَطَلْتَهَا،
فظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: «فكُلُّ
ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي(4) فَكَرِهْتُ أَنْ
أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ(5).
3- التواصل الهادئ بدلاً من المواجهة والصدام:
لقد كان ضحك
النبي صلى الله عليه وسلم مع أنس رسالة تربوية خالدة، تبعث لنا ترياقاً زاخراً
بحُسن تعامله صلى الله عليه وسلم مع المواقف، وتُعلمنا أن الهدوء يُصْلِح ما لا
يُصلحه الصدام والعنف، فابتسامة واحدة أعادت طفلاً إلى الصواب بلا خوف، ولمسة
حانية رسخت لدى الطفل العودة للصواب بحُب ودفء، وأثبتت أن التوجيه اللطيف أعمق
أثراً من أي مواجهة.
4- منح الطفل فرصة للتراجع دون خجل:
فالنبي صلى الله
عليه وسلم منح الطفل فرصة للتراجع دون أن يُعنفه، ودون أن يشعر الطفل بالخجل، ففتح
له باباً واسعاً للعودة، دون أن يهدم مشاعره ووجدانه، يُعيده للصواب بلُطف، ويحفظ
له كرامته، ليشعر الطفل أن الرجوع ليس هزيمة، وإنما نضج واختيار.
5- بناء علاقة آمنة:
بهدوئه وودّه صلى
الله عليه وسلم صنع لأنس علاقة يشعر فيها بالثقة والأمان، علاقة تجعله يتعلم أن
الخطأ ركيزة في النفوس البشرية، وإن كان الواجب علينا أن نجاهدها، ولكنها في
الحقيقة ركيزة أصيلة في طبائع البشر، وصدق حين قال: «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ،
وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ»(6).
6- عدم تحطيم الكيان النفسي للطفل:
العناد لا يُبرر
لنا كسر نفوس الأطفال، ولا تحطيم معنوياتهم حتى في وقت الخطأ، وإذا نظرت للنبي صلى
الله عليه وسلم في الحديث فإنك سترى رجلاً فريداً من نوعه يتعامل مع سلوك العناد
وهو ينظر إلى احتواء الشخص لا كسره، فلم يُعنفه، ولم ينتقده، ولم يوبّخه، ولم يرفع
صوته عليه، ولا حتى عبس في وجهه، كل هذا لأنه يريد بناء كيان نفسي داخلي قوي، وحتى
لا يكون الطفل خاوياً من الداخل.
هذا نموذج مختصر
من تعامله صلى الله عليه وسلم مع العناد الطبيعي، ولو كان المقام يسمح لأكثر من
هذا لرأينا دُرراً نبوية تتلألأ في سماء العالم، ولنا أن نفخر بإسلامنا ونبينا صلى
الله عليه وسلم.
اقرأ أيضاً:
العناد الطبيعي عند الأبناء (1)
العناد الطبيعي عند الأبناء (2)
العناد الطبيعي عند الأبناء (3)
العناد الطبيعي عند الأبناء (4)
العناد الطبيعي عند الأبناء (5)
_________________
(1) صحيح مسلم.
(2) الظهر أو
العصر.
(3) أي في أثناء
صلاته.
(4) أي ركب على
ظهري.
(5) أخرجه
الإمام أحمد في مسنده (16033)، والإمام النسائي في السنن.
(6) سنن الترمذي
وابن ماجه.