كيف تحولت المدينة المنورة إلى جامعة عالمية في 10 سنوات؟

عبدالقادر وحيد

03 ديسمبر 2025

1046

رحلة البحث العلمي وتشكيل الوعي طويلة ومضنية، تستغرق الحياة برمّتها، فلسفة الجهد في هذه الرحلة العلمية أجملها القاضي أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة: «العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك، وأنت إذا أعطيته كلّك من إعطائه البعض كنت على غَرَر»(1).

فمهما طالت حياة الإنسان في رحلة العلم وطلبه، فلن يأخذ من العلم إلا بعضه، فكيف بإنسان أن يذهب لبيئة لم يكن بها علماء ولا مدارس ولا جامعات، بل هي غارقة في عبادة الأوثان، وطلب الثارات التي امتدت لعقود ولم تطفئ جمرتها، ويحدث بها نقلة نوعية؟

تساؤل مشروع

حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانت غارقة في عبادة الأصنام والصراع القبلي، الذي أفنى أجيالاً بكاملها في حرب «بعاث» طيلة 4 عقود.

كما أن مجتمع المدينة كان زراعياً بطبعه توجد به البساتين، خاصة النخيل التي امتازت بها يثرب، فالمجتمع بعيد كل البعد عن الحياة العلمية.

والسؤال هنا: كيف لمجتمع بمثل هذه التركيبة العصبية المفتتة أن يُقْدم على التعلّم، أو بالأصح من له القدرة أن يدخل في مثل هذا المجتمع ويعلّم أشخاصاً بمثل هذه العقليات الغارقة في الثارات، والنفوس المتعلقة بالزرع والثمر؟!

هذه النفوس المتعلقة بالزرع والحصاد كشفها الحديث النبوي، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوماً يحدّث وعنده رجل من أهل البادية، «وأن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحبّ أن أزرع»، قال: «فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء».

فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم(2).

أيضاً العقلية اليثربية كانت تخشى المستقبل ويفزعها أقاويل اليهود -الفئة المثقفة والنخبوية- حينما كانوا يهددون أهل يثرب بأنهم سيفتكون بهم ويقتلونهم قتل عاد وإرم، مع نبي يظهر آخر الزمان.

هذه الروايات تكشف طبيعة مجتمع المدينة وبساطة تفكيره ومزاجه العام، عندما هاجر إليه صلى الله عليه وسلم، ومدى قدرته فيما صنعه من نقلة نوعية.

عبقرية النبوة بين المجتمع المكي والمدني

امتاز المجتمع المكي منذ وجوده بأنه تجاري متميز، لديه امتيازات واتفاقات تجارية في المجتمع الدولي حينها، التي انعكست أهميتها في رحلتي الشتاء والصيف.

كما أنه كان مجتمعاً فصيحاً، فلسان قريش هو الغالب ولسان العرب الأول، الذي نزل القرآن بلغتهم.

أيضاً هو قبلة الناس في التدين، فالكعبة المشرفة هي بيتهم، الذي يحجّون إليه، فانعكس كل ذلك على وجاهة المجتمع المكي في جميع مناحي الحياة.

فهم مهرة في التجارة، طرقها ووسائلها، لديهم براعة في الحساب وجني الأرباح، التي لم يكن يتمتع بها المجتمع المدني.

أيضاً هم أعلم الناس بديانة العرب وما يقومون به من عبادات لا تقبل المناقشة أو المجادلة، فهم أصحاب البيت والقداسة الشرعية.

كما ينبغي ألا ننسى أن مكة كان بها ميراث من الحنيفية السمحة، وكانوا على عبادات جاء الإسلام وأقرّها وصارت من جوهر عبادته كالطهارة من الجنابة، ومن ذلك أن أبا سفيان كان نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً.

يقول الإمام السهيلي: فهذا الحديث يدلّ أن الغسل من الجنابة كان معمولاً به في الجاهلية بقية من دين إبراهيم، وإسماعيل، ولذلك سمّوها جنابة، وقالوا: رجل جنب وقوم جنب لمجانبتهم في تلك الحال البيت الحرام، ومواضع قرباتهم، ولذلك عرف معنى هذه الكلمة في القرآن(3).

إذن فنحن أمام مجتمع حاكم على جزيرة العرب بلسانه الفصيح وتجارته المعقدة، إضافة إلى استعلائه بما يشرعه من عبادات ما أنزل الله بها من سلطان ممزوجة بموروث ديني، يخضع له العرب لاقترانه ببناء البيت العتيق.

نقلة نوعية وملهمة

عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ومعه المهاجرون، الذين نهلوا من علمه طيلة 13 عاماً، رأى بعبقريته ما تقتضيه الضرورة من إحداث نقلة نوعية بمدينته الجديدة، التي لم تكن تتمتع بأي مميزات من مجتمع مكة السابق.

كان المهاجرون في حاجة إلى الاستقرار المعيشي بعد طول ملاحقة ومصادرة للأموال، والاستيلاء على جميع مقدراتهم الحياتية، بقدر حاجة الأنصار -الجيل الواعد- إلى التعلّم بعد طول غياب من معايشة النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الواقع وظّفه صلى الله عليه وسلم باقتدار في المدينة المنورة، فدخل الأنصار في الحياة العلمية، ودخل المهاجرون في لملمة حياتهم المعيشية، كلُّ بمهاراته، فعبدالرحمن بن عوف المهاجري القرشي يدخل عالم السوق التجاري من جديد، بخبرته التجارية، فيصبح «مليارديراً» في غير أرضه.

أما الأنصار وبعد 13 عاماً بُعدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم صاروا بعد 10 سنين، بل خلالها، حاملين لأعلى الشهادات العلمية في تاريخ الإسلام.

1- «أقرؤكم أبي بن كعب» الأنصاري، وليس من قريش، التي نزل القرآن بلغتها ولسانها الفصيح.

2- «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل»: الأنصاري، الذي لم يولد قريباً من الكعبة أو فنائها، ليعلم الحلال والحرام، أو يكون لديه خبرة من ديانة سابقة.

3- «أفرضكم زيد بن ثابت»: الأنصاري، الذي لم يتاجر يوماً، ويعرف لغة الأرقام، أو كان يسهر في نوادي قريش الليلية يسمع أخبار التجارة وأرقام الأرباح، التي يلهث وراءها الشباب(4).

نحن حقاً أمام نقلة نوعية في فترة وجيزة من عمر البشر، تكشف عبقريته صلى الله عليه وسلم في تبادل الأدوار وبثّ المعرفة، واكتشاف الطاقات وتوظيفها، وفتح المجال أمامها، دون حكر لعرق أو قبيلة، بل المجال مفتوح للأَكْفَاء والنابهين.

عمق الفهم ونجابة المتعلّم

لا يفوتنا هنا التذكير بضرورة فهم البيئات ومستوى النابهين فيها، وتوظيف طاقاتهم، بأن أعقد القضايا، التي ضلّ فيها كثيرون بداية من عصر التابعين، وشغلت الأمة من بعدهم، وأدخلتها في قضايا كانت في غنى عنها هي مسألة «استواء الرحمن على العرش».

هذه المسألة المعقدة في التنظير، كم كانت سهلة في فهم الصحابة وتلقيهم للعلوم، وهذا النموذج يعكس لنا مدى أهمية البيئة ومعرفة خصوبتها في تلقي العلم بدون تكلف أو جدل.

فالصحابي عبدالله بن رواحة، حينما اتهمته امرأته بمواقعة جاريته -ملك يمينه- وأرادت أن يثبت لها ذلك، أراد أن يُرْضي زوجته، فعرّض بأبيات من الشعر عن قراءة القرآن -مطلب زوجته- لكي تثبت طهارته الحسية، فأنشد هذه الأبيات:

شهــدت بأن وعــد الله حــق      وأن النار مثوى الكـافرينــا

وأن العرش فوق الماء طاف    وفوق العرش رب العالمينا

وتحمــله ملائكـــة كــرام          ملائكـــة الإلــــه مسوّمــينـــا(5)

هذه البساطة في العرض لأعمق قضية عَقَدية تجمل لنا وتعكس مدى أهمية البيئة ونجابتها، وهو ما استثمره صلى الله عليه وسلم بعبقريته إلى أعلى درجة ممكن أن يستثمر بها معلّم لتلامذته، فترك لنا هذه القامات السامقة من الأسماء اللامعة والأوزان الثقيلة في تاريخ أمتنا، لتكون نموذجاً ملهماً لنا في حاضرنا ومستقبلنا.

 


اقرأ أيضاً:

حرب «الترندات».. محركات البحث في عصر النبوة!

عبقرية النبي ﷺ في توظيف «القنوات الفضائية» في عصره!

دراسة أمريكية: الرسول محمد قائد عسكري محنك ومقاتل ثوري عبقري




____________________

(1) ابن خلكان: وَفَيَات الأعيان.

(2) صحيح البخاري.

(3) السهيلي: الروض الأُنُف.

(4) الذهبي: سير أعلام النبلاء.

(5) ابن كثير: البداية والنهاية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة