قضاء الصوم عن الميت.. الحكم والحكمة
قد يموت الإنسان
وفي ذمته مال، يؤديه عنه ورثته، لكنه قد يموت وفي ذمته عبادات لم يتمكن من أدائها،
وهنا تقف القلوب حائرة، هل انقطع العمل بالموت؟ أم بقي باب البر مفتوحًا بعد
الرحيل؟ وهل يقبل الله من الأحياء أن يحملوا عن أحبّتهم ما عجزوا عنه أو قصّروا
فيه؟
أسئلة يفيض بها
الوجدان قبل أن يجيب عنها الفقه؛ لذا جاءت الشريعة الإسلامية رحيمة، حيث فتحت
أبواب البر، وبيّنت متى تبرأ ذمته، ومتى يكون القضاء، ومتى يكون الإطعام؟
متى يسقط الصيام عن الميت؟
قال الإمام
النووي: من مات وعليه قضاء رمضان أو بعضه، فإن كان معذوراً في تفويت الأداء
ودام عذره إلى الموت، كمن اتصل مرضه أو سفره أو إغماؤه أو حيضها أو نفاسها أو
حملها أو إرضاعها ونحو ذلك بالموت، لم يجب شيء على ورثته ولا في تركته، لا صيام
ولا إطعام، وهذا لا خلاف فيه(1)؛ والعلة في ذلك أن الصوم حق لله تعالى
وجب بالشرع، وقد مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج.
متى يجوز قضاء الصوم عن الميت أو الإطعام عنه؟
إن صحَّ المريض،
وأقام المسافر، ثم ماتا، لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة لإدراكهما العدة بهذا
المقدار.
ومعنى اللزوم
هنا أنه أصبح في ذمته، وتبرأ ذمته بأحد أمرين:
1- إما بصيام
وليّه عنه، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أنه صلى الله عليه
وسلم قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، فصيام الولي
عن الميت من باب البر به، لا الوجوب عليه.
ويؤيد ذلك ما
رواه الشيخان عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق
أن يُقضى».
ومن المعلوم أن
الإنسان ليس مطالبًا بقضاء دين غيره إلا من باب البر والصلة؛ لأن الأصل براءة
الذمم، وأن المكلَّف غير ملزم بأداء ما يثبت في ذمة غيره، فالصحيح جواز الصيام عن
الميت لا وجوبه، وبه تبرأ ذمة الميت.
2- وإما
بالإطعام عنه؛ أي بإخراج طعام مسكين من تركته وجوبًا، عن كل يوم فاته، لأنه دَيْن
لله، تعلّق بتركته، ودين الله أحق أن يُقضى، واشترط بعض الفقهاء أن يكون قد أوصى
بذلك، وإلا لم يخرج من تركته شيء، لأنها حق الورثة.
والصحيح أن حق
الورثة من بعد وصية يوصي بها أو دَيْن، وهذا دَيْن، لأنه حق المساكين في ماله(2).
من خلال ما سبق،
يتبين أن من مات وعليه صوم قَدَر على أدائه لكنه لم يأت به، فولي الميت بالخيار،
إن شاء أطعم عنه عن كل يوم مسكيناً، وإن شاء صام عنه، عملاً بالأحاديث الواردة في
هذه المسألة.
ومن الممكن أن
يقال: يحمل الحديث الوارد في الإطعام على حال السعة والغنى، وحديث الصوم على حال
الضيق والفقر، وفي هذا جمع بين الدليلين، وإعمال الأدلة كلها خير من إعمال أحدها
وإهمال الآخر.
أهم المعاني الإيمانية في قضاء الصوم عن الميت
من أهم المعاني
الإيمانية في مسألة قضاء الصوم عن الميت أن الله تعالى لا يغلق أبواب رحمته
بعباده، فرحمته أوسع من تقصير العباد، فقد يضعف العبد أو يمرض أو يقصر، ثم يدركه
الموت، لكن الله عز وجل غفور رحيم، يفتح أمام أبناء الميت وذويه أبواب البر والعمل
على جبر الكسر وإكمال النقص، قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف: 156).
كما أن هذه
المسألة تؤكد أن الدَّيْن مع الله مقدَّم على كل دَيْن، وأن العبادة ليست مجرد
أعمال وحركات جامدة، بل هي صلة حقيقية تمتد آثارها بعد الموت.
يضاف إلى ذلك أن الإنسان إذا قصّر في بعض العبادات في يومه فإنه يحتاج في غده أو بعد موته إلى دعاء، أو صيام، أو صدقة من أحبّ الناس إليه، فعليه أن يحرص على براءة ذمته أولاً، ثم يحسن إلى غيره، ويحرص على تربية أبناء صالحين يحرصون على بره بعد موته.
اقرأ أيضا
ما لا يسع المسلم جهله من أحكام الصيام
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً