توثيق لمسيرة إنسانية تتحدى الزمان..
قراءة في كتاب «غنيمة فهد المرزوق.. أم الخير»

يمثل كتاب «غنيمة فهد المرزوق.. أم الخير»
إضافة نوعية واستثنائية إلى المكتبة العربية والإسلامية، ليس فقط في مجال السير
الذاتية والعمل الإنساني، بل كذلك في رصد الإسهامات الفكرية والاجتماعية لواحدة من
أبرز الشخصيات النسائية في العالم العربي.
وقد جاء هذا العمل المهم ثمرة جهد توثيقي
وعلمي رفيع المستوى، حيث قام محمد خالد الأعظمي ومجموعة من الأصدقاء بجمع مادته
الوثائقية والبحثية، ومراجعته وتحريره ونشره إلى الأوردية بلغة بديعة، الذي منح
الكتاب أفقًا أكاديميًا وفكريًا أكثر عمقًا ودقة.
في تقديم أكاديمي متألق كتبه محمد خالد
الأعظمي، وإصدار منشورات «دار المنار للترجمة والطباعة والنشر» (دلهي الجديدة)،
يُسلّط الضوء على فلسفة العمل الخيري في المجتمعات العربية، وعلى الأدوار الريادية
للنساء اللواتي تجاوزن حدود التقليد لينسجن مسيرة عطاء متجذرة في القيم الإسلامية
والإنسانية، وهو ما تجسد في مسيرة السيدة أم هلال غنيمة فهد المرزوق، التي كانت مثالاً
فريداً في الجمع بين الأصالة والحداثة، وبين العمل الإنساني والخطاب الاجتماعي
الفاعل.
يأخذنا الكتاب في رحلة شاملة عبر محطات
حياة غنيمة المرزوق، منذ طفولتها المبكرة في الكويت والهند، مروراً بإسهاماتها
المتعددة في التعليم والإغاثة والعمل التطوعي، وصولاً إلى مشاريعها الخيرية التي
امتدت من الكويت إلى مناطق بعيدة مثل أفريقيا وآسيا الوسطى والهند والصين.
ولعل ما يميّز هذا الكتاب عن غيره هو أنه
لا يقتصر على السرد التقليدي للسيرة، بل يربط بين فلسفة غنيمة الإنسانية ومنظورها
العميق للإحسان كقيمة عملية يومية، متجاوزةً حدود المساعدات العاجلة إلى مشروعات
تنموية مؤسسية مستدامة.
وفي إطار الحديث عن إنجازاتها، يبرز
الكتاب تركيزها على التعليم باعتباره ركيزة النهضة وبناء الإنسان، حيث موّلت
مشاريع كبرى مثل الجامعة القرغيزية الكويتية (جامعة محمود كاشغري)، ومدرسة النور
في كشمير، إلى جانب دعمها لمدارس ومعاهد في باكستان، والصين، وتركمانستان،
وألبانيا، فضلًا عن كفالة طلاب العلم في أفريقيا.
كما يسلط الضوء على شراكتها الإستراتيجية
مع جمعية العون المباشر، حيث ساهمت في بناء المساجد والمراكز الثقافية والمشاريع
الطبية، إضافة إلى مبادراتها الرائدة في حفر الآبار الارتوازية وتمويل المشروعات
الزراعية التي غيرت حياة الآلاف في المناطق الفقيرة.
ولا يغفل الكتاب عن إسهامات غنيمة
المرزوق الصحفية والإعلامية؛ فقد كانت من أوائل النساء في الكويت اللواتي جمعن بين
العمل الإعلامي والفكري، حيث كتبت مقالات تناولت قضايا المجتمع والتنمية، وسعت إلى
تسليط الضوء على أهمية تمكين المرأة ودورها المحوري في بناء الوطن.
كما ساهمت في إثراء النقاشات الثقافية
والاجتماعية عبر مقالاتها وكتاباتها، التي مزجت فيها بين الحس الإنساني والرؤية
الأكاديمية العميقة.
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد تركت
إرثًا غنيًا من خلال دعمها للبحث العلمي، وتمويلها لبرامج تعليمية ومشاريع بحثية
تعكس وعيها بأهمية بناء العقول قبل البنيان.
وكما يستعرض الكتاب أيضًا الأوسمة
والجوائز التي حصلت عليها تقديرًا لعطائها، مثل جائزة الدولة التقديرية عام 2011م،
وجائزة إنجاز العمر من اتحاد الصحفيين الدولي، والدكتوراة الفخرية من جامعة
قرغيزيا، وغيرها من التكريمات التي رسخت مكانتها كشخصية قيادية وإنسانية
استثنائية.
ومن الجوانب المثيرة في الكتاب، التي
تضفي عليه بُعدًا إنسانيًا خاصًا، ذكريات الطفولة التي عاشتها غنيمة المرزوق في
الهند، فقد كانت تلك المرحلة فرصة للتعرف على التنوع الثقافي والاجتماعي، كما أنها
أثرت في وعيها المبكر بقيمة التكافل.
تروي المؤلفة كيف أن والدها كان يستضيف
بحارة ونواخذة السفن الكويتية في بيته بالهند، ما جعلها تدرك أهمية الكرم العربي
في مجتمعات الغربة، هذه الخلفية تجعل الكتاب مهمًا للقارئ الهندي، خاصة للناطقين
بالعربية والأردية، إذ يبرز الروابط التاريخية والإنسانية بين الكويت والهند،
ويحفز القراء الهنود على تبني قيم العطاء المشتركة.
ففي نحو 212 صفحة من السرد المتقن، كتاب «غنيمة
فهد المرزوق.. أم الخير والمساكين»، بمقدمة محمد خالد الأعظمي، وبإشرافه
الأكاديمي، ليس مجرد توثيق لسيرة ذاتية، بل هو عمل تحفيزي يلهم القارئ العربي
والهندي على حد سواء للانخراط في مشاريع العطاء والتنمية المستدامة.
إنه شهادة على أن العمل الخيري، حين
يقترن بالفكر والوعي والقيادة، يمكن أن يتحول إلى رسالة حضارية تتجاوز الزمان
والمكان، لتبقى أبد الدهر نبراسًا للأجيال القادمة.