قراءة في كتاب «الشهداء ليسوا أرقاماً»
في أوقات الحروب
ومذابح الإبادة الجماعية، يسعى الجلاد دائمًا إلى تجريد الضحايا من إنسانيتهم،
وطمس معالمهم، وتحويل الأرواح التي أُزهقت والأحلام التي وُئدت إلى مجرد أرقام
باردة تتوالى في أشرطة الأخبار العاجلة.
من قلب هذا
الوجع، ومن تحت ركام المنازل، وُلد كتاب «الشهداء ليسوا أرقاماً» للكاتبة الغزية
ياسمين عنبر، ليكون وثيقة تاريخية، وأدبية، وإنسانية ترفض هذا الطمس المتعمد.
الكتاب الذي
نُسجت خيوطه تحت نيران القصف على مدار 300 يوم من الإبادة في غزة، ليس مجرد مرثية
للراحلين، بل هو كما وصفه رئيس مجلس إدارة مؤسسة القدس الدولية الشيخ حميد الأحمر
في تقديمه: «بوابة ذاكرة، ومحاولة لبعث مائة وجه، ومائة حلم، ومائة ضوء لم ينطفئ».
اعتمدت الكاتبة
أسلوباً فريداً ومؤثراً عبر تقنية السرد بضمير المتكلم «أنا»، حيث يتحدث الشهيد عن
نفسه وكأنه يروي حكايته من السماء أو من تحت الأنقاض.
دمجت الكاتبة
ببراعة بين التوثيق الصحفي الدقيق (لأسماء الأماكن، والتواريخ، والمجازر، والمهن)
والحس الأدبي الإنساني المرهف.
هذا الخيار
الأسلوبي يخلق حالة من التماهي العاطفي العميق، ويجعل القارئ يعيش اللحظات الأخيرة
لكل شهيد وكأنه يشاركه أنفاسه المقطوعة.
المحاور الكبرى في الكتاب.. فسيفساء الوجع الفلسطيني
يستعرض الكتاب مائة
قصة تغطي كافة شرائح المجتمع الغزي والشتات، ليرسم لوحة متكاملة لمأساة شعب يُباد:
1- طفولة مسلوبة وأحلام موءودة:
سلط الكتاب
الضوء على الأطفال كأكبر ضحايا هذه المحرقة، من خلال قصص تدمي القلوب لأحلام دُهست
تحت المجنزرات:
هند رجب: الطفلة
التي لخصت أحلامها ومقتنياتها في قائمة طويلة من (فقاعات الصابون، والقصص الجميلة،
والفساتين، وقوس قزح)، قبل أن يغتالها المحتل بـ 335 رصاصة.
عوني الدوس:
الطفل الذي حلم بالمليون مشترك على قناته في «يوتيوب»، ولم يتحقق حلمه إلا بعد أن
واراه الركام.
زين عروق: الطفل
الحافظ للقرآن، الذي كسر جمجمته باراشوت مساعدات جوية كان ينتظره ليسد جوع إخوته.
عمر شرف: الرضيع
الذي انتظره والداه 17 عاماً ليرحل وعمره 4 أشهر فقط.
حمزة الحسن:
الطفل الذي حلم أن يكون رائد فضاء ليهرب بصاروخه من ضيق غزة وحصارها ليتسع له
الكون.
ملاك هنية: التي
طلبت رغيف خبز من الطائرة فألقت عليها صاروخاً صبيحة العيد.
2- فرسان الحقيقة وحراس الكلمة.. الصحفيون والأدباء:
أفرد الكتاب
مساحة واسعة لتوثيق تضحيات من دفعوا دماءهم ثمناً لنقل الصورة والكلمة:
رفعت العرعير:
الأديب والأكاديمي الذي صدح بكلمته الشهيرة لستُ رقماً، والشاعرة هبة أبو ندى التي
بقيت تغريدتها شاهدة على المحرقة.
أنس الشريف: صوت
الشمال الذي قتلوه واقتلعوا عينه التي رصدت جرائمهم.
إسماعيل الغول:
الذي فُصل رأسه عن جسده ليُسكتوا صوته، إلى جانب مصطفى ثريا، والمصورة مريم أبو
دقة، والكاتبة آمنة حميد.
3- الجيش الأبيض وملائكة الإنسانية.. الأطباء والمسعفون:
يوثق الكتاب
تعمد الاحتلال استهداف النخب العلمية والطبية لمحو العقل والجسد الفلسطيني:
البروفيسور
سفيان تايه: عالم الفيزياء المصنف عالمياً ضمن أفضل باحثي العالم.
تحت التعذيب:
عرض مأساة الأطباء الذين قُتلوا تحت التعذيب الوحشي في معتقل سديه تيمان كطبيب
العظام عدنان البرش (حجارة الوادي)، والطبيب الأسير إياد الرنتيسي.
في الميدان:
جراح التجميل أحمد المقادمة الذي أُعدم مع والدته المعلمة في مجمع الشفاء،
والبروفيسور عمر فروانة، والمسعف رفعت رضوان الذي وثق لحظة إعدامه بكاميرا هاتفه
مفنداً أكاذيب الاحتلال.
4- أوجه الموت القاسية.. حرب التجويع والقهر:
من أشد ما يمزق
القلب في الكتاب توثيقه لأسباب موت تتجاوز القصف المباشر:
الموت جوعاً
وبحثاً عن رغيف: كالشهيدة خديجة أبو عنزة، أول سيدة تُقنص وهي تبحث عن كيس طحين
لأطفالها في مصائد الموت بـزيكيم.
الموت قهرًا
ورعباً: كالإعلامية سعاد سكيك، والمنشدة هيا مرتجى، والأم مريم نصار اللواتي توقفت
قلوبهن من شدة الرعب والقهر الناجم عن الفقد وأهوال النزوح.
الموت ألماً
ونقصاً للعلاج: كبطلة الكاراتيه نغم أبو سمرة التي بُترت قدماها وماتت لغياب
العلاج، والشهيد فريد درويش الذي مات متسمماً بمعلبات فاسدة.
5- امتداد الوجع.. من النكبة إلى الإبادة:
ربط الكتاب بين
الماضي والحاضر، مظهراً تجذر المأساة الفلسطينية وتوارث الجراح:
المعمر عبدالفتاح
أبو حسنة (98 عاماً): الفدائي الأخير الذي هُجر من قريته بشيت إبان «النكبة»،
واحتفظ بمفتاحه في عنقه حتى قُتل في خيمة نزوحه عام 2024م.
أحمد الدرة:
الذي قُتل بعد 24 عاماً من مقتل شقيقه الأيقونة محمد الدرة، ليعيد والدهما إطلاق
صرخة مات الولد مرتين.
6- القادة والرموز:
لم يغفل الكتاب
توثيق رحيل القيادات الوطنية وصناع الأثر، مسجلاً قصة رئيس الوزراء الأسبق إسماعيل هنية الذي اغتيل في طهران بعد أن زُف والداً وجداً للشهداء، والقائد فتح شريف في
لبنان، والوزيرة جميلة الشنطي، والشهيدة زهر هنية (شاهدة النكبتين).
التفاصيل الصغرى.. سر الوجع الأكبر
تكمن عبقرية
الكاتبة في التقاطها للتفاصيل الصغيرة المخبأة في ثنايا القصص، التي تحطم قسوة
الأرقام: السينابون الملطخ بالدم في يد الطفلة الشهيدة سارة سلمان، قرط الذهب الذي
تبرعت به الشهيدة الطبيبة سماح نعيم في طفولتها، فستان الزفاف الذي تحول لكفن
للعروس أحلام مصطفى، و5 آلاف جنين مجمد دُمروا في مركز للإخصاب قبل أن تقتل الأم فاطمة
جراد التي كانت تحلم بكلمة ماما، ومبادرة المهندس الزراعي يوسف أبو ربيع لزراعة
بذور الملوخية بين الركام لمواجهة المجاعة.
رسالة الكتاب الجوهرية
يُختتم الكتاب
برسالة واضحة أشار لها الشيخ حميد الأحمر: القائمة لم تنتهِ، ولا تزال آلاف
الحكايات مدفونة تحت الأنقاض تنتظر من ينبش الركام ليرويها.
إن كتاب الشهداء
ليسوا أرقاماً هو صرخة فلسطينية مدوية في وجه العالم الأصم، ومرافعة أدبية
وتاريخية تُعلن أن كل رقم في نشرات الأخبار كان يمثل كوناً كاملاً؛ أباً يكدح،
أُماً تحضن، عريساً يُجهز بيته، وطفلةً تحلم باللعب.
لقد حوّلت
ياسمين عنبر، ومن خلفها مؤسسة القدس الدولية، الحبر إلى دماء نابضة، والورق إلى
شواهد قبور تُقرأ، لتؤكد أن إرث الشهداء في غزة سيظل حياً يقاوم النسيان، وأنهم
أبداً.. لن يكونوا مجرد أرقام.
اقرأ أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً