يوميات متقاعد (5)

عيادة المرضى وسؤال العافية

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبرة المستفادة منها.

زيارة مريض

نبدأ بهذا الموقف الذي حدث في 27 يناير 2025م؛ حيث كان الأهل في البيت لديهم مريض في مستشفى جابر، ويرغبون بزيارته لمدة نصف ساعة أو أقل، وصادف في ذلك اليوم أن عزيزي وصديقي الغالي الأخ يوسف كان هو الآخر مريضاً في مستشفى جابر، فقلت: «يلا، هيا بنا؛ أنتِ تزورين صديقتك، وأنا أزور صديقي».

ذهبنا معاً إلى مستشفى جابر، وسألت عن غرفة أخي وعزيزي الغالي يوسف، فأرشدوني إليها، دخلت عليه، وما إن رآني حتى استبشر خيراً، وتهلل وجهه، وانشرح صدره، فعرفت أن زوّار صديقي قليلون، وأنه بحاجة لمن يزوره، فكنتُ واحداً منهم في ذلك اليوم.

جلست معه قرابة ربع ساعة، فدعوت له: «اللَّهُمَّ رَبَّ النّاسِ أذْهِب الباسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشّافِي، لا شِفاءَ إلّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً» (صحيح البخاري).

وقلت له: لا بأس عليك يا أخي العزيز يوسف، «أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أنْ يُعافيَكَ ويَشْفيَكَ»، يقال عند المريض سبع مرات. (حديث صحيح).

ثم قلت له: ضعْ يمينَك على المكان الذي تشتكي، فامسحْ بها سبعَ مراتٍ، وقل: «أعوذُ بعِزَّةِ اللهِ وقُدرتِه من شرِّ ما أجِدُ في كلِّ مَسحةٍ» (حديث صحيح).

وأرشدته إلى قراءة «الفاتحة»، و«آية الكرسي»، و«المعوذتين»، وغير ذلك مما ورد في السُّنة النبوية في علاج المرض.

وقبل أن أغادر، قال لي الأخ يوسف: أما سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحبَّ اللهُ عبداً عسَّله»، قالوا: وما عسَّله يا رسولَ اللهِ؟ قال: «يُوفِّقُ له عملاً صالحاً بين يدَيْ رِحلتِه حتّى يرضى عنه جِيرانُه» (حديث صحيح).

كنت أعرف الحديث بلفظ: «استعمله»، لكنه أشار إلى أن بعض الروايات ورد فيها لفظ عسَّله، ويا لها من كلمة! أي: يوفقه لعمل صالح قبل أن يتوفاه، ثم يقبضه عليه.

فقلت: اللهم استعملنا قبل أن تقبضنا إليك بأعمال صالحة نختم بها حياتنا، اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة.

كانت جلسة خفيفة، لطيفة، ظريفة، ومن الخطأ أن يزور الإنسان المريض ويجلس عنده ساعة أو ساعتين، ويتحدث طويلاً، ويطلب العصائر وغيرها؛ فكل ذلك قد يُتعب المريض.

الزيارة المثالية تكون من خمس إلى عشر دقائق، وبحد أقصى ربع ساعة، إلا إذا أصرّ المريض خلاف ذلك ولا يجد من يزوره.

فالحمد لله، كانت زيارة أسأل الله أن يتقبلها مني.

تاج العافية

ننتقل إلى موقف آخر حدث في 30 يناير 2025م، في هذا اليوم قررت أن أبقى في البيت للراحة، إذ ابتلاني الله بمرض في أحبالي الصوتية، وهذا بلاء ينبغي معه الصبر وسؤال الله العافية.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَلُوا اللهَ العفوَ والعافيةَ؛ فإن أحداً لم يُعْطَ بعد اليقينِ خيراً من العافيةِ» (حديث صحيح)؛ والعافية لا يشعر بقيمتها الإنسان إلا إذا فُقدت، فالعافية تاج لا يراه إلا المرضى فوق رؤوس الأصحاء.

أنا بصفتي أستاذاً جامعياً، ومحاضراً، ومدرّباً، لا أملك أداة أهم من صوتي؛ به أوصل أفكاري، وأقنع الآخرين برؤاي وأهدافي.

فجلست في البيت، لكنني استفدت من وقتي، وبدأت أقرأ كتاب «مختصر اللؤلؤ والمرجان» لمؤلفه محمد فؤاد عبدالباقي، الذي جمع فيه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين البخاري، ومسلم، وعددها يقارب ألفي حديث.

وأخذت أسأل نفسي: هل يمكن إسقاط هذه الأحاديث على عالم التدريب؟ والإجابة: نعم، وبقوة.

فمثلًا: حديث «بُنِيَ الإسْلامُ على خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ»، سألت نفسي: ألا يمكن أن يكون في عالم التدريب خمسة أركان أساسية؟

واتضح لي أن علماء النفس والإدارة يتحدثون فعلاً عن خمس شخصيات رئيسة، فقلت: كما أن في الإسلام خمسة أركان، كذلك يمكن الحديث عن خمسة أركان في عالم التدريب.

وبينما كنت أبحث عن علاج لأحبالي الصوتية مما ألمّ بها، ذهبت إلى الصيدلية، وطلبت دواءً يعيد صوتي إليَّ، فأرشدني الصيدلاني إلى «عسل المانوكا»، استخدمته عدة أيام، ولكن بلا فائدة، فالصوت لم يعد، ثم جربت دواءً لإذابة البلغم، لكن دون فائدة.

استمرت الحالة أسبوعاً كاملاً، بلا صوت، ومع ذلك، التزمت بالصلاة في المسجد، حتى إن المؤذن والإمام كانا يسألانني: «إيه اللي حصل لصوتك؟»، فكنت أجيب بالإشارة: «ماكو صوت»!

وفي تلك الفترة، كان هناك إمام بديل، فأرسلت له رسالة نصح لطيفة: أن يبتعد عن الميكروفون، وألا يكرر الآيات، وألا يطيل الصلاة، خاصة الفجر.

فشكرني، والتزم بالنصيحة، وكان لذلك أثر طيب.. فهذه نصيحة تُقال، لا بقصد الانتقاد، بل لمصلحة الإمام والمصلين.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة