صفحات مضيئة من حياة رائد الإعجاز العلمي (3)

عندما يهرب كبار القساوسة من المناظرة.. قصص نادرة من سيرة د. زغلول النجار

نستكمل سيرة العالم الجليل د. زغلول النجار، ونركز على مناظراته العلمية الجريئة مع رجال الدين اليهود والنصارى في الغرب، وتفوقه عليهم بالحجة والمنطق، بالإضافة لجوائزه العالمية ومواقفه الإنسانية في مساعدة الناس.

لقد مُنح د. زغلول النجار رحمه الله عشرات الجوائز العلمية والعالمية والإسلامية، ولا يمكن التفصيل فيها هنا، لكن أذكر طرفاً منها، فقد حصل في مقتبل حياته الأكاديمية على جائزة مصطفى بركة في علوم الأرض، وجائزة دبي للقرآن الكريم؛ لأثره الكبير في خدمة كتاب الله، وجائزة روبرتسون في الأبحاث العلمية، والميدالية الذهبية في العلوم والآداب من السودان.

خصال استثنائية

لم أجد وصفاً أدق وأفضل لصفات د. النجار مما ذكره د. عمر عبدالكافي عنه، وذلك في مقابلة معه على قناة «الجزيرة»، حيث قال: إن د. زغلول النجار كان إسلاماً يمشي على الأرض، ويقول: يذكرني د. النجار بالتابعين، عاش مع القرآن، لم تغلبه المادة ولا الأهواء، وكان يدعو إلى الله عن طريق العلم، فقد أخلص رحمه الله للعلم الذي تخصص فيه وأحبه، ومع كون القرآن ليس كتاب علوم، أظهر للناس معاني القرآن الكريم وما فيه من العظمة، بربط حقائق القرآن بالحقائق العلمية، وكان يجتهد في شرح الحقائق العلمية بما يتوافق مع آيات من القرآن الكريم.

كما وصفه د. عبدالكافي: عندما تجلس معه تذكر مجالس الصالحين، ونحن نقول: عندما تخرج من عنده تكون قد تزودت منه بشحنة روحانية، تنقيك مما لحق بك من مشاغل الدنيا ورواسبها.

كان رحمه الله شديد الذكاء، قوي الحجة، حاضر الشواهد، صاحب ذاكرة قوية في تذكر الأحداث، لا يتحدث إلا بالمنطق المدعوم بالأمثلة عند الحوار، وكان أستاذاً في الأخلاق دمثاً، أنيق الملبس، كثير السفر للدعوة، مدركاً لما يحدث في العالم الإسلامي، مهموماً بما يقع على الشعوب الإسلامية من مكائد ومصائب لا تنتهي، وكان علمي الطرح، جاداً، بعيداً عن الهزل، لا يترك الفكرة حتى ينهيها.

وقد حدث أن دعاه الإخوة في جمعية الإصلاح بالبحرين ذات مرة إلى ندوة جماهيرية، شاركه فيها شيخ قدير محبوب ومعروف بالنكتة في دروسه، شعبي الطبع، كثير اللطائف؛ أي أنه كان بخلاف طبع د. النجار، فقلت في نفسي: هذا لا يناسب د. النجار، ولا أدري من اقترح عليهم الجمع بينهما، وقد كان مثل ما ظننت، فما أن انتهت الندوة، حتى ذهبت لاستقباله وهو ينزل من المنصة، ولم يتأخر تعليقه، حيث همس في أذني قائلاً: ما هذا؟! أنحن هنا لإضحاك الناس، أم في سيرك؟! فلم أجرؤ على أن أقول له: لكل متحدث أسلوبه وجمهوره، لكن اكتفيت بأن قلت له: يا دكتور كفيت ووفيت.

وقد كان صادقاً مع ربه، ومع نفسه، ومع الناس، ولا يقول إلا الصدق حيثما كان، يقول رحمه الله: ذات مرة، طلب وزير الخارجية البريطاني (ولعله كان نائب الوزير) مسؤولي ومشايخ العمل الإسلامي في بريطانيا للتحاور، فطلب مني المشاركة في اللقاء مع الوفد، وبعد كلمة قصيرة استهل بها المسؤول البريطاني اللقاء، تضمنت مشكلات العالم الإسلامي، والإرهاب، طلب منهم الوزير الحديث.

يقول د. النجار: فتحدث الجميع بدبلوماسية كبيرة، وأنهم معنيون بنظام البلد وأمنه، والبعد عن الإرهاب، ثم جاء الدور عليَّ في الحديث، فقلت له: المرء يبحث في جذور المشكلات، لا في نتائجها الحالية وحسب؛ إن بريطانيا التي استعمرت معظم العالم الإسلامي لم تخرج منها إلا عندما أوجدت مشكلات لا تحصى، وقد نبعت مثل تلك المشكلات من حينئذ، والآن نعيش نتائج تلك السياسات، لكن، مع ذلك، نحن نحارب التطرف والإرهاب، الذي هو نتيجة سياساتكم تجاه بلدانهم الأم.

يقول: فقام الرجل، وقال: ليت كل من تحدث كان صريحاً معي مثلك، فالأمور لا تحل إلا بالحوار الجاد بين الطرفين، ثم شكرني على صراحتي وصدقي.

وكان لا ينقطع عن مساعدة الناس، فتجد الكثيرين من أهل الحاجة يلجؤون إليه؛ لذا تجد عنده السير الذاتية لكثير من الخيرين المتميزين، فما أن يلوح عند أحد معارفه شاغر، إلا ويدفع بسيرة أحدهم إلى ذلك المكان، لعله يحظى بفرصة عمل لأحدهم.

وفي عدة مرات كان يرسل إليَّ السير الذاتية لحملة الدكتوراة، لعلي أجد لهم فرص عمل في مكان ما، ولي معه تجربة شخصية؛ إذ ما زلت أذكر حديثي معه بشأن أحد إخواننا، عندما أراد الانتقال من كلية الطب في جامعة الملك فيصل، إلى كلية الإدارة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وسميته له فعرفه لأننا كنا نكثر من زيارته.

قلت له: هل يمكنك أن تعيننا في الحصول على قبول له هنا؟ فلم يتأخر جوابه، وقال: هات أوراقه، السعي من طرفنا، والتوفيق من الله، وجزاه الله خيراً، فقد تحدث بشأنه مع عدد من كبار مسؤولي الجامعة، وعاونه في ذلك د. محمد البار، حفظه الله، حتى حصل على قبول له في الجامعة، مع أن قبول غير السعوديين في الجامعة لم يكن ميسراً، إلا إذا جاء الترشيح ضمن قائمة من وزارة التربية والتعليم في البحرين.

في بريطانيا أولى مناظراته

حدثني د. النجار أن سنوات دراسته في بريطانيا لم تخلُ من العمل للإسلام، وأن الله ساقه إلى ذلك سوقاً دون طلب منه، حيث كانت الجامعة تقيم ندوات ومناظرات علمية تنافسية؛ يقوم المتحدثون فيها بإثبات وجهات نظرهم تجاه مسائل محددة في مناظرات علمية، ثم يقوم مدير الجلسة في النهاية بتلخيص ما دار، ويكون ذلك بمنزلة إعلان الفائز.

يقول: كان الإعلان ذات مرة عن ندوة عن المسيحية واليهودية والإسلام، واختير المتحدثان عن المسيحية واليهودية، ولم يكن هناك من يقابلهم للحديث عن الإسلام، فانتظرت مدة، لعل شخصاً ذا باع في ذلك العلم يتولى الأمر، لكن مضت الأيام ولم أسمع بأحد تقدم للحديث عن الإسلام، ولم أجد نفسي مؤهلاً لذلك، خشية أن يُفهم الأمر على غير ما عليه حقيقة الإسلام، لفشلٍ من طرفي في إيصال الفكرة بطريقة صحيحة وكاملة للناس.

ومن جانب آخر، الأخطر من ذلك ألا يقوم أحد بالحديث عن الإسلام في محفل علمي كهذا، ومن ثم تكون فرصة ذهبية للآخرين بطرح الشبهات عن الإسلام دون رد مقابل، فتقدمت للحديث عن الإسلام متوكلاً على الله.

يقول د. النجار: وجاء وقت الندوة، ودعي الثلاثة إلى المنصة، وأخبرتنا مديرة الندوة -وهي دكتورة في الجامعة- أن لكل واحد منا عشر دقائق فقط، يقول فيها ما شاء، وكنت آخر المتحدثين، بدأ الأول حديثه وأنهاه في أقل من ثماني دقائق، وكذا استغرق الآخر، وجاء دوري فتحدثت المدة كاملة، وأُعطيت زيادة على وقتي الدقائق التي بقيت من وقت الآخرين.

يقول: كان الاندهاش واضحاً على وجوه الحاضرين، إذ كانوا يسمعون كلاماً علمياً منطقياً عن الإسلام لأول مرة، وبدأ النقاش، فكانت غالبية الأسئلة موجهة إليَّ؛ استفساراً، وطلباً للتفصيل.

وأضاف: ثم بدأت بطرح الأسئلة عليهما، وتلكأ كلاهما في الرد، وعندما كانوا يَسألونني كنت أرد عليهم بإجابات فورية ومنطقية وغير مستفزة، في نهاية الندوة، لم تتأخر مديرة الجلسة في أن تعلن أن الفارق بيني وبين الآخَرَين كبير، وسوف تدعو من هم أعلم بالمسيحية واليهودية لنقاش د. النجار ليحظى الجمهور بردود منطقية ومقنعة على الأسئلة التي طرحها على المتحدثَين عن المسيحية واليهودية، وسيكون ذلك في ندوة سيعلن عنها قريباً؛ وبالفعل، جرى الترتيب لندوة أخرى.

جاءت الجامعة بقس مسيحي وعالم باليهودية، لعله أحد أحبارهم، لتلك الندوة، وكما كان الأمر في المرة السابقة، بدأ القس حديثه، ثم تلاه الآخر، ولم يتجاوز أي منهما ثماني دقائق.

يقول د. النجار: ثم جاء دوري في الحديث، فأخذت الوقت المخصص لي، وما زاد من وقتيهما، وبدأت أطرح الأسئلة عليهما، فلم يقترب أي منهما من إجابة مقنعة ترضي الحضور، وكما كانت الحال في المرة السابقة، أعلنت مديرة الندوة أن كلا المتحدثين لم يتمكنا من الرد على أسئلة النجار، ولم ترقَ إجاباتهما إلى مستوى مقبول، وأنها تدعو أن يكون الحوار المقبل في التلفزيون، وتدعو كبير القساوسة، واسمه بيشوب، وأحد الأحبار للنقاش.

يضيف د. النجار: وعندما حان وقت المناظرة التلفزيونية، جلست أنا والمعدة وطاقم التلفزيون ننتظر وصول كبير القساوسة، أما الحبر فقد اعتذر ولم يأت، فأُجل البث إلى يوم آخر، ثم لم يأت في اليوم الآخر أيضاً، حينها أعلنت: يبدو أن الآخرين يخشون ملاقاة طالب في الجامعة لمناقشتهم حول دينهم، فلا المتخصص، ولا القس استطاع أن يرد على استفساراته، واليوم كبير القساوسة يخشى مناظرته!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة