عبدالصبور شاهين.. العالِم الذي جعل اللغة حصناً والمنبر جامعة
كان الدكتور عبد الصبور شاهين -رحمه الله
تعالى- من أولئك الرجال الذين إذا ذُكروا تذكّرتَ معنى "العالِم
الموسوعي" لا بوصفٍ يُتَزَيَّن به، بل بحقيقةٍ تُشهَد في الأثر، وتُقاس بما
خلّفه من كتبٍ وترجماتٍ وتلامذةٍ ومنابرَ ووقائعَ فكريةٍ مُؤثّرة مُعبّرة مغيّرة؛
حيث جمع في شخصه صرامةَ الحُجّة ورهافةَ البيان، وامتلك من فصاحة اللغويّ ما يجعل
الفكرة إذا خرجت من فيه خرجت مُتَّسقة البناء، قويّة الإقناع، حاضرة الحُجّة، لا
تكتفي بأن تُسمِعك، بل تُقيم فيك من الداخل ميزانًا جديدًا للفهم.
وإذا أردتَ أن تُلخِّص سيرته في عبارةٍ
واحدةٍ لا تُجحِف ولا تُفرِط قلت: هو رجلٌ عاش بين أربعة محاريب: محراب الجامعة
أستاذًا وباحثًا ومشرفًا، ومحراب المنبر خطيبًا مربيًا ومفسرًا، ومحراب الكتابة
مؤلفًا ومترجمًا، ومحراب الفكر والدعوة مجادلًا في ساحات الفكر حيث تُختبر العقولُ
وتُعرَف المراتب، وفي كل محرابٍ كان له مقامٌ يليق به، حتى صار في الوعي العام
اسمًا من الأسماء التي لا تُقرأ منفصلةً عن أثرها.
نشأته وتربيته وتعليمه
وُلد أستاذنا د. عبد الصبور شاهين في 18
مارس 1929م بحي الإمام الشافعي بالقاهرة، ونشأ في بيتٍ له صلةٌ بالعلم والأزهر،
فكان أبوه من خرّيجي الأزهر، وتردّدتْ في سيرته ظلالُ نسبٍ تاريخيٍّ وأسريٍّ عريق،
وتلقّى حفظ القرآن مبكرًا - حتى قيل إنه أتمّ الحفظ وهو صغير السن على نحوٍ يشي
بحافظةٍ "لاقطة" - ثم مضى إلى المعاهد الأزهرية، فجمع منذ مطلع حياته
بين "زاد النص" و"ذخيرة اللسان"، وهما جناحا العالِم إذا أراد
أن يعلو دون تكلّف.
ثم جاءت دار العلوم لتكون الإطار الذي
استوى فيه عودُه العلمي، وتكوّن فيه مزاجه الذي لا يرى اللغة "حروفًا
تُلَفّق"، بل يراها بابًا إلى فهم الدين والفكر والإنسان؛ ولهذا لم تكن
علاقته باللغويات -خاصة الصوتيات والقراءات- علاقةَ اختصاصٍ جافٍّ، بل كانت علاقةَ
رسالة: أن تُقرأ العربية قراءةً تُحسِن فهم تراثها، وتملك أدوات العصر في التحليل
والنظر، دون أن تفقد خشوعها أمام نص القرآن.
كان في جوهره عالمًا أكاديميًّا راسخًا
في صناعة البحث؛ بدأ مساره العلمي برسالة الماجستير التي نالها سنة 1962م بعنوان:
"الأصوات في قراءة أبي عمرو بن العلاء"، وهي دراسةٌ تكشف مبكرًا عن ميله
إلى المزج بين علم القراءات والتحليل الصوتي الحديث، حتى نُشرت فيما بعد بعنوان:
"أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي"؛ فكانت من أوائل المحاولات
الجادّة في قراءة التراث القرائي قراءةً لسانيةً واعية.
ثم مضى إلى الدكتوراه، فنالها سنة 1965م
برسالة عنوانها: "دراسة صوتية في القراءات الشاذة"، وهو موضوعٌ بالغ
الدقة والخطورة؛ إذ يقتحم منطقةً يتداخل فيها الصوتيُّ بالقرآني، واللغويُّ
بالاعتقادي، فجاءت دراسته برهانًا على تمكنه من أدوات التحقيق، وقدرةٍ على الإفادة
من مناهج علم اللغة الحديث دون أن ينفصل عن أصول العربية وعلومها، ونُشر جزءٌ من
هذا الجهد في كتابيه: "تاريخ القرآن" و"القراءات القرآنية في ضوء
علم اللغة الحديث"، وهما من الأعمال التي وضعت اسمه في طليعة الدارسين للقرآن
من زاويةٍ لسانيةٍ منهجية.
وأما أساتذته، فقد تشرَّب على أيدي جيلٍ
من أعلام دار العلوم والأزهر الذين جمعوا بين صرامة التحقيق ورحابة الثقافة، وتأثر
بمدرسةٍ ترى أن اللغة ليست "نحوًا يُحفظ"، بل نسقًا فكريًّا يُفهم
ويُبنى عليه. وكان من أبرز من تأثر بهم في جهته اللغوية د. إبراهيم أنيس، وفي جهته
القرآنية والفكرية الشيخ محمد عبد الله دراز، لا بوصفه أستاذًا مباشرًا في الدرس
فحسب؛ بل بوصفه نموذجًا للعالم الذي يجمع بين الفلسفة والأخلاق والنص القرآني، حتى
رأى شاهين أن أعظم ما يرجو ثوابه عليه ترجمته لرسالة دراز الكبرى: "دستور الأخلاق
في القرآن الكريم".
اشتغاله بالقراءات والدراسات الصوتية
وفي مساره العلمي برزت جهته القرآنية
بقوة؛ فتراءى ذلك في اشتغاله بالقراءات والدراسات الصوتية، ثم في تصنيفه وترتيبه
وتفسيره، حتى ذُكر له عملٌ كبير من أضخم أعماله: "مفصل آيات القرآن ترتيبًا
معجميًا" في عشرة مجلدات، بالاشتراك مع زوجه إصلاح عبد السلام الرفاعي، وهو
عملٌ لا يقوم به من يكتب ليُقال "كتب"؛ بل من يكتب ليصنع
"أداةً" تُعين الباحث والقارئ على الإمساك بمفاتيح النص القرآني من جهة
اللفظ والترتيب والدلالة.
وأما زوجُه وشريكته في العلم، فقد كانت
في سيرته علامةً لافتة؛ إذ نُقل عنه أنه كان من أوائل من اشترك مع زوجته في
التأليف، فخرجت أعمالٌ موسوعيةٌ مثل "أمهات المؤمنين"، و"صحابيات
حول الرسول"، ثم موسوعاتٍ أخرى كـ "مصر في الإسلام" و"نساء
وراء الأحداث"، حتى صار البيت عندهما شبيهًا بمصنعٍ معرفيٍّ هادئ: عقلان
يتكاملان، وقلمان يتعاونان، ومشروعٌ طويل النفس لا يعيش على “الومضة”، بل على
الاستمرار والإتمام، وكان يقول لنا محفزًا على الزواج: "أنا وزوجتي كلَّ يوم
كأن حياتنا تُستقبلُ من جديدٍ".
ترجماته العبقرية
ثم تأتي جهةٌ أخرى من جهاته - وهي من أشد
ما يُعرَف به - جهة الترجمة، فقد كان بابُه الأكبر فيها تعريف القارئ العربي بفكر
مالك بن نبي، وترجمة عددٍ من كتبه المؤثرة مثل "الظاهرة القرآنية"،
و"شروط النهضة"، و"مشكلة الثقافة"، و"ميلاد مجتمع"،
و"وجهة العالم الإسلامي"، وغيرها، وهنا لا تكون الترجمةُ مجرد نقل، بل
تصير في حقه "إدخالًا لأفكارٍ مُؤسِّسةٍ إلى جهاز الوعي العربي"، وفتحًا
لممرٍّ بين مدرسةٍ فكريةٍ مغاربية وبين الساحة المصرية والعربية الواسعة، وما أكثر
ما تكون الترجمةُ في زماننا ترفًا؛ غير أنها في مشروعه كانت وظيفة: بناء "وعي
النهضة" بلغةٍ عربيةٍ قادرة على حمل المفاهيم الثقيلة دون تشويه.
ولم تقف الترجمة عند فكر مالك بن نبي؛
فقد امتدت إلى أعمالٍ أخرى من الفرنسية وغيرها، ومن ذلك ترجمته التي كان يَعُدّها
أجلّ ما يرجو ثوابه عليه: "دستور الأخلاق في القرآن الكريم" للشيخ محمد
عبد الله دراز، وهو عملٌ يطلب من المترجم إضافةً إلى اللسانين: لسان العلم وذوق
النص ومهابة الفكرة، كما ترجم كتبًا في اللسانيات والصوتيات مثل ترجمة "علم
الأصوات" لمالمبرج، وترجم "العربية الفصحى" لهنري فليش، بما يدل
على أن اهتمامه باللغة لم يكن "تحنطًا تراثيًا"، بل اتصالًا واعيًا
بمناهج العصر وأدواته.
الدعوة ومنبر جامع عمرو بن العاص
وإذا تحوّلنا إلى المِنبر وجدنا صورةً
أخرى لا تقل تأثيرًا؛ فقد كان خطيب مسجد عمرو بن العاص سنواتٍ طويلةً بعد الشيخ
محمد الغزالي -رحمه الله- واستطاع أن يجعل الجمعة "موعد معرفة" لا
"طقس تكرار".. خطبته عند كثيرين لم تكن خطابًا عامًا يُقال كيفما اتفق،
بل كانت تحمل عمقَ الباحث وروحَ الداعية؛ يُفسر في الخطبة الأولى آيةً أو مقطعًا،
ثم ينزل في الثانية إلى هموم المسلمين وقضايا زمانهم، ومن هنا فهم تميّز خطبه:
كانت تعلّم الناس كيف يفكرون، لا ماذا يرددون.
ولقد حُكي من أثر خطبه ما يدل على وصولها
إلى أعلى مستويات الدولة؛ كما في قصة اقتراحه المتعلق بجمع الزكاة من الإيداعات
البنكية بما قد يعين على معالجة أزمة المديونية، وما دار حول ذلك من حديثٍ مع
الرئيس في حضرة شيخ الأزهر آنذاك، وهذه الحكاية - بصرف النظر عن تفاصيل التنفيذ -
تشير إلى حقيقةٍ أهم: أن الرجل كان يرى المنبر منصةً للإصلاح العام، لا مجرد نافذة
وعظية، وأنه كان يملك الجرأة ليطرح حلولًا، لا ليصف الألم فحسب.
ثم جاءت لحظة الإيقاف عن الخطابة في مسجد
عمرو بن العاص -وهي من لحظات حياة الداعية التي تكشف معدنَه- فلم ينكسر، ولم يتحول
إلى عاتبٍ على الزمن؛ بل بنى مسجدًا قريبًا من منزله، وجعل من محرابه امتدادًا
لمشروعه، وظل على نهجه: تفسيرٌ، وتربيةٌ، وقراءةٌ للواقع، حتى أكمل تفسير القرآن
لأول مرة في التاريخ من فوق المنبر، كأن الرسالة عنده لا تتوقف بتوقف
"المكان"؛ لأن الأصل هو "المعنى" الذي يحمله صاحبه حيثما كان.
الميدان الفكري والجدلي
أما جهته الجدلية والفكرية، فهي مما لا
يُنسى في سيرته؛ فقد ارتبط اسمه بمعارك كبرى، أشهرها موقفه من أطروحات نصر حامد
أبو زيد؛ إذ شارك في لجنةٍ علمية وكتب تقريرًا يرفض العمل، وأكد -بحسب ما نُقل
عنه، وطبقًا لما تابعناه وقتها ونحن شهود عيان- أنه ناقش الفكرة ولم يُحوّل الخلاف
إلى بابٍ في التكفير، وظل يردد: "خطّأته ولم أكفّره". وهذه العبارة -إن
صدقت دلالتها- تُظهر ميزانًا مهمًا: أن العالم قد يشتد في ردّ الباطل، لكنه لا
يُنزل السيف على النيات، ولا يجعل من الخلاف العلمي فوضى أخلاقية، ولعل هذه
الصلابة المنضبطة هي التي جعلت خصومه يهابونه، وجعلت محبيه يثقون أنه لا يقول إلا
عن بيّنة، بينما وصف أستاذنا د. محمد بلتاجي حسن –رحمه الله تعالى– مقولات نصر
حامد أبي زيد بأنها جمعت بين "الجهل الفاضح والكفر الواضح"، وحكمت
المحكمة بردته لاحقًا، والتفريق بينه وبين زوجه!
وعلى الضفة الأخرى، أثار كتابه "أبي
آدم.. قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة" ضجةً واسعة؛ لأنه اقتحم منطقةً
تتصل بمسائل الغيب وقراءة النصوص في ضوء لغويٍّ وفكريٍّ خاص، فوافقه قوم وخالفه
آخرون، والإنصاف أن يُقال: إن الرجل كان "صاحب اجتهاد" لا "صاحب
هوى"، وأن الجدل حوله دليلُ حيوية فكره، لا دليل عبثه، ومع ذلك يبقى الاختلاف
العلمي قائمًا، وتبقى مساحة الغيب محكومةً بحدود النص وما أذن الله به من العلم؛
وهذه هي النقطة التي أشار إليها بعض محبيه ممن خالفوه، إذ رأوا أن باب الخلق الأول
لا ينبغي أن يُفتح بما لا برهان عليه من الوحي.
شاهين والشأن العام
ومما يُكمِّل صورته أيضًا أنه لم يكن
عالِمًا منعزلًا في مكتبة؛ بل كان حاضرًا في الشأن العام، إعلاميًا وسياسيًا، حتى
شغل عضوية مجلس الشورى، وشارك في برامج الإذاعة والتلفاز، وصار صوته جزءًا من
ذاكرة جيلٍ كاملٍ تربّى على خطابٍ يجمع بين قوة اللغة وحرارة الدعوة، وكثيرٌ من
الدعاة يُحسن المنبر ويضعف القلم، وكثيرٌ من الأكاديميين يبرع في القلم ويجف على
المنبر؛ أما هو فكان من القلائل الذين جمعوا "القوة في الاثنين"، فصار
تأثيره مضاعفًا.
معرفتي به عن قرب
ولستُ هنا أكتب عن رجلٍ بعيدٍ قرأتُه في
خبرٍ أو سمعتُه من رواية؛ بل أكتب عن أستاذٍ شَرُفتُ بالدراسة عليه في كلية دار
العلوم عام 1996م في مادة أصول اللغة، وكان - كما عرفناه - صاحب "حضورٍ
آسِر"، يبدأ بالمادة نصف ساعة، ثم
يفتح للطلاب بقية المحاضرة على "سيرة العلم في الحياة"؛ يسوق تجربةً من
تجاربه، ويحكي واقعةً من وقائع الدعوة أو البحث أو الترجمة، فتتعلم من تلك
الحكايات منهجًا في النظر، وأدبًا في الموقف، وفهمًا للواقع لا تمنحه المقررات
وحدها، فكانت محاضرته درسًا في العلم، ودرسًا في الإنسان الذي يحمل العلم.
كان معملُ الأصوات بكلية دار العلوم -
يوم كان عبد الصبور شاهين يملأ فضاءه حضورًا - أشبه بمحرابٍ لغويٍّ تُتلى فيه
الحروفُ على وجهها الذي وُلدت له، فما إن تضع السماعات على أذنك حتى ينساب إليك
صوتٌ عربيٌّ صافٍ، لا عُجمة فيه ولا رخاوة مصطنعة، صوتٌ يعرف الحرفَ باسمه،
ويُنزله منزلته، ويُعطيه حقَّه من المخرج، ومستحقَّه من الصفة، فلا تختلط فيه
المهموسات بالمجهورات، ولا تذوب فيه الرخاوات في شدائدها، ولا تضيع التفخيمات في
رِقّتها، فقد كان صوته -في معمل الأصوات- درسًا حيًّا في التجويد اللغوي، وبيانًا
عمليًّا لما قرأناه في كتب المخارج والصفات، حتى ليخيل إليك أنك لا تسمع إنسانًا
ينطق، بل تسمع العربية نفسها وهي تستعيد عافيتها الأولى.
وكان إذا اعتلى منبر جامع عمرو بن العاص،
وتلا الآيات بذلك الصوت العجيب، انكشفت المعاني كأنها تُرسَم في الهواء رسْمًا،
فلم تكن قراءته أداءً صوتيًّا فحسب، بل كانت كشفًا دلاليًّا؛ تتجسد الحروفُ على
لسانه صُورًا، وتتحول المقاطع إيقاعًا يوقظ الحسّ، وتتمايز الظلالُ الصوتية
فتُعينك على فهم المعنى قبل أن يشرحه؛ فكان إذا مدَّ في موضع المدّ أحسستَ بسعة
المعنى، وإذا شدّد حيث يقتضي التشديد شعرتَ بقوة الحكم، وإذا رقّ حيث الرِّقّة لاح
لك لطفُ السياق، حتى كأن صوته يسبق تفسيره، وكأن قراءته نفسها بيانٌ وتفسير، لا
يحتاج بعدها السامع إلا إلى أن يقول: هكذا تُنطق العربية إذا سكنت قلبَ صاحبها،
وهكذا يُتلى القرآن إذا امتزج العلم بالصوت، والصوت بالخشوع.
وكنتُ كذلك كثيرَ التردد عليه في جامع
عمرو بن العاص؛ أستمع لخطبته كما يستمع الطالب إلى "أستاذٍ خارج
القاعة"؛ لأن المنبر عنده قاعةٌ أخرى ولكنها أوسع: تضم العامي والمتعلم،
والشيخ والشاب، والعابر والمقيم، ثم تواصلت الصلة حين زرتُه في بيته بعد وقفه عن
الخطابة، وأجريتُ معه حوارًا حول مالك بن نبي؛ ولم يكن ذلك أمرًا عارضًا، بل كان
امتدادًا طبيعيًا لشغفه بفكر النهضة، ولعلاقته القديمة بمشروع مالك بن نبي ترجمةً
وتعريفًا، وفي مثل هذا اللقاء ترى العالم على حقيقته: كيف يفكر حين لا يخاطب
جمهورًا، وكيف يزن المفاهيم حين يتحدث مع تلميذٍ يبحث عن الجذور لا عن القشور.
ويجمل بهذه الصورة أن تُذكر روحُه
العصامية وفكاهته التي تُلطّف صرامته؛ فقد كان قادرًا أن يمزج الجد بالابتسامة،
وأن يفتح مغاليق العلم بعبارةٍ ساخرةٍ مهذبة تجعل الفكرة سهلة الدخول إلى القلب،
وهذه خصلةُ المربين الكبار: لا يقتلون العلم بالعبوس، ولا يميّعونه بالهزل، بل
يجعلون الفكاهة جسرًا إلى المعنى، لا قطيعةً معه، كما كان كثيرَ التقدير للإمام
حسن البنا الذي انتمى لدعوته وسجن بسبب ذلك في العهد الناصري.
ثم إن من حقه على منصفٍ أن يضعه في سياق
"المعركة الثقافية" في مصر؛ فقد كان من أبرز من أسهم في كسر شوكة
العلمانية المتطاولة على الدين في أزمنةٍ كانت فيها جرأة الطعن أعلى من جرأة
الدفاع، فكان يقف بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وحجةٍ علميةٍ متينة، لا يكتفي بالشعار، بل
يطارد الفكرة إلى جذورها، ويكشف خللها المنهجي قبل أن يشتبك مع نتائجها، ومن هنا
جاء حضوره: لأن معركته لم تكن صراخًا، بل كانت "حجاجًا".
وختمُ السيرة عند وفاته يليق بعظمته:
توفي مساء الأحد 26 سبتمبر 2010م (17 شوال 1431هـ)، وصُلّي عليه في اليوم التالي
في مسجد عمرو بن العاص، ذلك المسجد الذي شهد صوتَه زمنًا، ثم شهد وداعَه، كأن
المكان أراد أن يحفظ للرجل خاتمةً تُشبه بدايته: منبرٌ وقرآنٌ وجمهورٌ يشيّع
عالمًا عاش للعلم والدعوة.
رحم الله الدكتور عبد الصبور شاهين رحمةً
واسعة، وجعل علمه في ميزان حسناته، ورفع درجته في عليين، وألحقه بالصالحين من
عباده، ويبقى درسُه الأكبر -فيما أرى-أن العلم إذا صدق صاحبه صار حياةً كاملة: في
الكتاب، وفي الجامعة، وفي المنبر، وفي البيت، وفي الدعوة، وفي الشأن العام؛ وأن
العربية ليست زينة خطاب، بل هي وعاء هوية، وسياج معنى، وطريقٌ إلى فهم الوحي
والإنسان جميعًا.
اقرأ أيضا:
- سادن العربية ومجمع البحرين..
قراءة في فكر د. سعد مصلوح ومنهجه البلاغي
- في حضرة أ.د. أحمد إبراهيم
درويش.. النقد حين يصير إبداعاً