«صوموا تصحوا».. كيف يحقق الصيام صحة الإنسان؟
روى النسائي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ! قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ»، وفي رواية عند أحمد أن أبا أمامة قال: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ آخُذُهُ عَنْكَ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ».
روى الطبراني في
الأوسط وأبو نعيم في الطب النبوي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: «صُوْمُوا تَصِحُّوا».
والناظر في
أحكام المحدثين والعلماء على هذا الحديث يجد أن جمهورهم قد ضعفه، كذا قال الصنعاني(1)،
والعراقي(2)، والألباني(3)، وغيرهم، وفي هذا تأكيد على ضعف
هذا الحديث وعدم صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن جملة «صوموا
تصحوا» صحيحة في معناها، حيث إن الصيام يسهم في تحقيق صحة الإنسان، سواء كانت
روحية أم بدنية أم نفسية أم مجتمعية.
قال الحرالي:
فيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في
الآخرة ففيه صحة للبدن، والعقل بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة
المؤمنين والترقي إلى رتبة المحسنين(4).
الصيام والصحة الروحية
المقصد الأسمى
من الصيام تحقيق التقوى، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)،
والتقوى هي أسمى ما يصل إليه القلب من أمارات الصحة والصلاح، وبصحته وصلاحه يصح
ويصلح البدن كله.
كما يسهم الصيام
في تحقيق الصحة الروحية من خلال كبح الشهوات وضبط الانفعالات ومراقبة الله تعالى
في السر والعلن، وكلها أمارات على الصحة الروحية للإنسان.
بل إنه صلى الله
عليه وسلم أوضح أن الصيام يسهم في تحقيق الصحة الروحية للإنسان من خلال وقايته له
من الوقوع في المعاصي وكذا الوقاية من النار، ففي صحيح البخاري، ومسلم، عن أبي
هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام جُنَّة»؛ يعني وقاية، والوقاية
المقصودة هنا قد تكون من المعاصي، وقد تكون من النار، وقد تكون من الإفراط في
الشهوات التي تضر الإنسان.
الصيام والصحة البدنية
نشرت مؤسّسات
طبية أبحاثًا مكثفة حول الآثار الإيجابية للصيام على الصحة البدنية للإنسان، وذلك
في النقاط الآتية:
1- تنظيم
الكوليسترول ودهون الدم.
2- ضبط الشهية
وإنقاص الوزن.
3- التخلص من
السموم.
4- تنظيم سكر
الدم.
5- الحفاظ على
صحة الكُلى والقلب(5).
ويضاف إلى ذلك
ما يتمتع به الصائم من التحسن في الصحة العامة، وقد أكد ذلك البروفيسور نيكولايف
بيلوي من موسكو في كتابه «الجوع من أجل الصحّة» (1976م)، حيث انتهى فيه إلى أنّه:
على كل إنسان أن يمارس الصّوم بالامتناع عن الطّعام لمدّة ثلاث أو أربع أسابيع كلّ
سنة كي يتمتّع بالصحّة الكاملة طيلة حياته(6).
الصيام والصحة النفسية
يسهم الصيام في
ضبط النفس الإنسانية وتعزيز الصبر والتحمل والإرادة لديها، ففي الصحيحين عن عبدالله
بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ
اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه
بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ»؛ يعني مانع من الشهوات.
كما يساعد الصوم
في تخفيف حدة التوتر والغضب، ففي الحديث الذي رواه النسائي، وأحمد عن عمرو بن
شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ
وَحَرَ الصَّدْرِ؟ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ»، وفي رواية عند
أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال: «صومُ شهرِ الصبرِ وثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ،
يُذهِبنَ وحَرَ الصدرِ».
والمقصود بوَحَر
الصدر: مَا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْكُدُورَاتِ وَالْقَسْوَة، وَقِيلَ:
الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ، وَقِيلَ: أَشَدُّ الْغَضَبِ(7).
الصيام والصحة الاجتماعية
حين يصوم المسلم
ويشعر بالجوع والعطش، ويدرك المعاناة التي يعيشها الفقير المحتاج؛ يرق قلبه
للفقير، فيرحمه ويكفله ويحرص على جبر كسره، لذلك نجد في الصيام حالة من حالات
التكافل الاجتماعي من خلال إفطار الصائمين وتوزيع العطايا على المحتاجين، وهذا
يحدث بشكل تطوعي، من أجل تحصيل الأجر والثواب، ثم ما يكاد يمر بعض الوقت من شهر
رمضان إلا ويأتي الإلزام في ختام الصيام بزكاة الفطر، التي تحقق التواصل الاجتماعي
بالإطعام والكفالة اللازمة، وفي هذا التكافل الصريح ما يدفع المجتمع إلى التواصل
الصحيح.
استحباب الفطر للصائم إذا دعت الضرورة الصحية إليه
إذا كان الصيام
يحقق صحة البدن والنفس والعقل فإن المسلم يحرص عليه ما دام يتحمل ذلك، لكنه إذا
تعرض لمرض أو سفر يرهقه بحيث لا يتحمله؛ فإن هذه الفوائد قد تنقلب إلى أضدادها،
لذا شرع الله تعالى لمن لا يتحمل الصيام أن يفطر، فإن قدر على القضاء فإنه يقضي
أياماً أخر، وإلا أطعم عن كل يوم مسكيناً.
وفي هذه الحالة
التي يرشد فيها الطبيب مريضه إلى الفطر يكون الفطر مستحباً، من أجل بقاء الصحة
التي أمر الإسلام بحفظها، قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة:
184)، وقال عز وجل: (وَمَنْ
كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185).
اقرأ
أيضاً:
الهوامش
- 1 التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 15).
- 2 تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (4/ 1606).
- 3 ضعيف الجامع الصغير وزيادته، ص 512.
- 4 فيض القدير (4/ 212).
- 5 مقال بعنوان «فوائد الصيام.. كيف يعزز صحتك الجسدية والنفسية؟»، منشور على موقع «الجزيرة نت».
- 6 روائع الطب الإسلامي: د. محمد نزار الدقر، ص 160.
- 7 شرح سنن النسائي (3/ 444).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً