صنائع المعروف.. رغيف يهزم السهام!

أمين حميد

14 أبريل 2026

123

في ردهات القصور، حيث تتدثر الجدران بالوشي والرخام، وتختبئ خلف الستائر المكائد والفتن، قد يتخفى بعض الوزراء الجائرين الذين ينسون وظيفتهم في إحقاق الحق وإبطال الباطل وردع الظالم وإنصاف المظلوم.

وفي إحدى حقب التاريخ، كان الظلم سحابة غبراء تخيم على العامة، تترصد ثرواتهم وتترقب عثراتهم، غير أن الله جعل في خفيّ ألطافه ما لا تدركه عيون الحراس ولا تمنعه بوابات القصور العتيدة، لتتجلى الكرامة في أبهى صورها حين يواجه رغيفٌ من الشعير جيشاً من الهواجس، ويهزم برُّ الأمِّ حدَّ السيوف.



رغيف يهزم السهام!

كان عليُّ بن الفرات، وزير الخليفة المقتدر العباسي، مشهوراً بظلم الناس وأخذ أموالهم، وذات ليلة، قرر القبض على أحد الصالحين وأخذ أمواله!

نام الوزير في ليلته فرأى عجباً في منامه، وفي الصباح عدَل الوزير عن أمر جنوده بالقبض على الرجل الصالح، وكلما أراد الوزير القبض على الرجل، كان يرى في منامه نفس الرؤيا العجيبة.

فأرسل إلى الرجل الصالح، وأخذ ينظر إليه لحظة، ثم قال له: أيها الرجل، إني لأكرهك، ولقد هممت بك سوءاً، ولكني كلما أردت القبض عليك وأخذ أموالك أراك في المنام تمسك رغيفاً وتبعدني عنك به، فتأكدت أن لهذا الرغيف سراً في حياتك، فهيا أخبرني به واصدقني، وإلا نالك مني ما تكره.

فكر الرجل الصالح قليلاً، ثم تنهد وقال: اعلم أيها الوزير أنني لا أخشاك، ولكنني سأخبرك بسر الرغيف ربما كان خيراً لك.

إنني عندما كنت صغيراً كانت أمي تضع رغيفاً تحت مخدتي كل ليلة، وتقول لي: «يا ولدي، تصدّق به»، وظلت أمي على هذه العادة حتى ماتت، ولما ماتت بقيت على تلك الحال، فكل ليلة أضع رغيفاً تحت مخدتي، فإذا أصبحت تصدّقت به.

تعجب الوزير عجباً شديداً وصمت لحظة! ثم قال: إنك لرجل صالح، وإني أستسمحك عما بدر مني تجاهك، ولن ينالك مني بعد اليوم سوء أبداً، بل إني سأهب لك من مالي ما تستعين به على حياتك.

رد الرجل الصالح: سآخذ ما تعطيني، ولكني سأجعله في فقراء المسلمين.

فقال الوزير: اصنع به ما شئت، ولا تحرمني من دعائك، وزرني كل حين.

هكذا انجلت غمة الظلم عن قلب الوزير ببركة رغيف يظنه الجاهلون زهيداً، لكنه كان عند الله ثقيلاً في ميزان العطايا.

لقد غادر الرجل الصالح مجلس الوزير، ولم يترك خلفه إلا عطر التقوى ودرساً خالداً في أن اليد التي تمتد بالبذل في خفاء الليل، هي ذاتها التي تمتد لتصُدَّ كيد الظالمين في وضح النهار.

ولقد بقيت هذه القصة منارة لكل ذي لب، تخبرنا أن صنائع المعروف لا تضيع عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة، وأن الحب الذي زرعته الأم في قلب ولدها أثمر نجاة وأماناً حين ادلهمت الخطوب، فصارت الصدقة حصناً منيعاً لا تخرقه السهام ولا تنال منه العواصف.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة