من أسباب التخلف الحضاري للمسلمين..
سوء فهم بين مفاهيم البدعة والابتداع وسد الذرائع
تتعدد آراء
العلماء في مفهوم البدعة، «والتحقيق: أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع
فهي حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح»(1).
إن هذا الفهم
لمعنى البدعة في الدين، والتفريق بينها وبين الإبداع في أمور الدنيا ومصالح الخلق؛
قد تعرض لتشويه كبير في عصور الضعف والتراجع، بل كان من أبرز أسبابه، ومما أدى إلى
مخاصمة العلوم والتقنيات، ثم وسم الإسلام نفسه بأنه دين رجعي منغلق، يحول بين
أتباعه وآفاق الحضارة الرحيبة، وأنه لا سبيل لانطلاق الأمة من عقالها، ولحاقها
بركب العالم المتقدم إلا بالانسلاخ من الدين كله، ومن خلال الفهم الخاطئ لمفهوم
البدعة تولَّد الحذر من كل جديد ومخترَع، بل تحريمه وتجريمه!
ومن الأمثلة
المثيرة للشفقة والعجب معًا موقف آخر سلاطين المماليك من استعمال البنادق في
الدفاع عن دولتهم!
لما أخبر
السلطان قنصوة الغوري عن قوة سلاح «البندقية»،
وأن العثمانيين قد برعوا فيها؛ أمر محدثه أن يعلمها لبعض مماليكه، ففعل،
وجيء بهم، فرموا بحضرة السلطان، فساءه ذلك، وسيء بهم، وقال له: نحن لا نترك سُنة
نبينا ونتبع سُنة النصارى، وقد قال مولانا سبحانه وتعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)
(آل عمران: 160)(2).
وظل ذلك موقف
المماليك بعد أن قتل الغوري وسيطر العثمانيون على الشام عام 1516م، ثم تقدموا نحو
مصر وهزموا سلطانها طومان باي وقتلوه في العام التالي، وأسر بعض قادته، ومنهم
الوالي كرتباي الذي برر انهزامهم أمام جيش السلطان سليم الأول أمام قوة البنادق
العثمانية، فقال له: «هذه هي البندق التي لو رمت بها امرأة لمنعت بها كذا وكذا
إنسانًا (أي لقتلتهم)، ونحن لو اخترنا الرمي بها ما سبقتنا إليه، ولكن نحن قوم لا
نترك سُنة نبينا محمد! ويا ويلك كيف ترمي بالنار على من يشهد لله بالوحدانية،
ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة؟!»(3).
والغريب أن
المماليك كانوا يعرفون المدافع ويستعملونها، وقد جهزها طومان باي لحرب السلطان
سليم الأول لما هاجم مصر، لولا أن نصحه أحد قادته المخادعين بإخفائها في الرمال
حتى لا يكتشفها جواسيس العدو، ثم أفشى سرها للعثمانيين ليتجنبوا آثارها(4)!
ولا غرابة أن
نجد التفكير ذاته عند بعض فرق الجيش العثماني نفسه، فقد كانت فرقة السباهية -أي
الفرسان المدرعين- آنذاك يتسلحون بالسيف والرمح والقوس، ويرون أن استخدام الأسلحة
النارية لا يليق بشجاعة الفرسان -بظنهم- ويلاقون العنت أمام المشاة الألمان
المسلحين بالأسلحة النارية، حتى أصلح السلطان سليمان القانوني ذلك الخلل، بتقليل
أعدادهم، وزيادة أعداد المقاتلين بالبارود والمدافع بالأسلحة النارية(5).
واستمر التخلف
العلمي يأتي بثماره المرة حتى القرون الأخيرة، فلما نشبت الحرب الروسية العثمانية عام
1768م قيل للعثمانيين: إن الروس عزموا على جلب أسطول لهم من بحر البلطيق؛ ليعززوا
به قوتهم البحرية، فرفض العثمانيون –الذين غفلوا عن تطور علم الجغرافيا ووسائل الانتقال
البحري- أن يصدقوا أن ثمة طريقًا مائيًا يصل ما بين بحر البلطيق والبحر المتوسط،
حتى باغتهم الأسطول بالفعل(6).
موقف الخلافة العثمانية من استعمال آلات الطباعة
قامت الطباعة
بدور حاسم في التطور البشري، والنهوض الثقافي والمعرفي، إذ نقلت النتاج العقلي
المكتوب من مرحلة النتاج المحدود للنسَّاخين والورَّاقين إلى مرحلة النتاج الكثيف
للمطابع الآلية، لكن الفتاوى المتعجلة والخاطئة حالت دون لحاق المسلمين بركب
التقدم عقوداً من الزمن.
لقد طُبع أول
كتاب في الغرب بالحروف اللاتينية ما بين عامي 1440، و1450م، أما أول كتاب مطبوع
بالحروف العربية فقد ظهر عام 1514م في مدينة فانو بإيطاليا(7).
وفي عام 1493م،
أسس بعض اليهود الفارين من الأندلس -بعد سقوط غرناطة- أول مطبعة في عاصمة الدولة
العثمانية إبان حكم السلطان بايزيد الثاني (1481 - 1512م)، الذي أصدر فرماناً يحرم
الطباعة على رعاياه المسلمين، بينما سمح لليهود والمسيحيين بإنشاء مطابعهم داخل
الدولة العثمانية؛ شريطة عدم استعمال الحروف العربية(8).
أما اشتراط
السلطان بايزيد عدم استعمال الحروف العربية في الطباعة فجاء تلبية لبعض الفتاوى
التي ذهبت إلى تحريم طباعة القرآن الكريم والكتب الشرعية، مخافة أن يؤدي استعمالها
إلى الخطأ في كتابة آيات القرآن العظيم، أو كتب العلوم الشرعية، وشيوع تلك الأخطاء
بسبب سرعة انتشار المطبوعات، وكذلك إمكان تسبب الاعتماد على الكتب المطبوعة في
إضعاف ملكة الحفظ والاستظهار التي امتاز بها علماء المسلمين.
ومن هذه الفتاوى
فتوى الفقيه المغربي محمد بن إبراهيم السباعي الذي خط وثيقة سماها «رسالة في
الترغيب في المؤلفات الخطية، والتحذير من الكتب المطبوعة، وبيان أنها سبب في تقليل
الهمم، وعدم حفظ العلم ونسيانه»، ومن الواجب أن يضاف إلى هذه الهواجس تلك النظرة
الضيقة التي تراعي مصالح جماعات من الخطاطين، رأوا في الطباعة سبباً لكساد مهنتهم،
والخط من أقدارهم كجماعة متميزة في السُّلَّم الاجتماعي.
وكان علينا أن
ننتظر 3 قرون منذ بدء الطباعة حتى أصدر السلطان أحمد الثالث فرماناً عام 1139هـ/ 1727م
-بموافقة شيخ الإسلام- يقضي بتأسيس مطبعة لطباعة الكتب باللغة التركية، لكنها غير
مسموح لها بطباعة الكتب الدينية، وظلت الأمور تتراوح بين الموافقة على الطباعة
والمنع، حتى عصف الانفتاح على أوروبا في النهاية بتلك المخاوف(9).
أما في مصر، فقد
تأخر ظهور المطبعة حتى الحملة الفرنسية، حيث جلبها نابليون في حملته عام 1798م
لطباعة منشوراته الدعائية، وكتابات المستشرقين المرافقين له، وتيسير أمور حربه(10)،
وكان علينا أن ننتظر لنرى إنشاء المطبعة الأميرية في عام 1821م بقرار من محمد علي
باشا.
لقد أدت
التخوفات المبالغ فيها -الإسراف في باب سد الذرائع، والتسرع في إصدار الفتاوى دون
معرفة حصيفة بالواقع، أو نظر سديد إلى المآلات- إلى تأخر المسلمين في الأخذ بأسباب
النهوض قروناً من الزمن.
اقرأ أيضاً
- من أسباب التخلف الحضاري للمسلمين إغلاق باب الاجتهاد
- من أسباب التخلف الحضاري للمسلمين إهمال العلوم التجريبية
الهوامش
- 1 ابن حجر: فتح الباري (4/ 253).
- 2 ابن زنبل الرمال: آخرة المماليك تحقيق عبد المنعم عامر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، سنة 1998م، ص 140.
- 3 ابن زنبل الرمال: آخرة المماليك تحقيق عبد المنعم عامر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، سنة 1998م، ص 140.
- 4 المرجع السابق، ص 139-140.
- 5 المرجع السابق، ص 139-140.
- 6 المرجع السابق، ص 127-129.
- 7 المرجع السابق، ص 127-129.
- 8 د. خليل إينالجيك: تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار ص 78-79.
- 9 د. خليل إينالجيك: تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار ص 78-79.
- 10 أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ (3/ 312).
- 11 أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ (3/ 312).
- 12 سليم نزهت: تاريخ الطباعة في تركيا 1729-1929م، ص 10-11.
- 13 سليم نزهت: تاريخ الطباعة في تركيا 1729-1929م، ص 10-11.
- 14 المرجع السابق، ص 21-22.
- 15 المرجع السابق، ص 21-22.
- 16 برنارد لويس: ظهور تركيا الحديثة ص 65، 73-74، 236.
- 17 برنارد لويس: ظهور تركيا الحديثة ص 65، 73-74، 236.
- 18 راجع جون ماري كاريه: مختارات من كتاب رحالة وأدباء فرنسيون في مصر، ص 229.
- 19 راجع جون ماري كاريه: مختارات من كتاب رحالة وأدباء فرنسيون في مصر، ص 229.