سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (8)
لم يكن د. طه
حسين -حين شكّ في النثر الجاهليّ - وحيدًا في تأثره بكلام نيكلسن، وإنّما تسربت
تلك الشبهة في كتابات الأجيال التالية لطه حسين، خذ مثلًا د. شوقي ضيف، حيث يقسّم
النثر قسمين:
أولهما: النثر
العاديّ الذي يتخاطب به النّاس في شؤون حياتهم اليوميّة، وهذا الضّرب من النثر
مستبعدٌ -في رأيه- من ميدان الأدب.
وثانيهما: النثر
الفنيّ الذي يقصد به صاحبه إلى التأثير في نفوس السّامعين، الذي يحتفل فيه من أجل
ذلك بالصياغة وجمال الأداء، وهو أنواعٌ منه ما يكون قصصًا، وما يكون خطابةً، وما
يكون رسائل أدبيّةً محبّرةً.
ثمّ يقول د. ضيف
عقب تلك القسمة: «وليس بين أيدينا وثائق جاهليّةٌ صحيحةٌ تدلّ على أنّ الجاهليين
عرفوا الرسائل الأدبيّة وتداولوها.. إنّنا لا نطمئنّ إلى ما يروى لهم في كتب الأدب
والتاريخ من خطبٍ» (د. شوقي ضيف: العصر الجاهلي: 398، 412).
ولا يسعنا إلّا
أن نخالف د. ضيف في تلك القسمة؛ لأنّها تصدق علينا نحن الأجيال المتأخرة التي
تفرّعت لغتها إلى فصحى وعامّيّةٍ، أمّا العرب الجاهليون ومن تلاهم حتى عصر
الاستشهاد وبعده؛ فلم يعرفوا ذلك التفاوت اللّغويّ، وما عرف كلامهم مستويين؛ أحدهما
فصيح أدبي، والآخر عاميٌّ يوميٌّ، بل كان كلامهم اليوميّ فصيحًا بليغًا كذلك،
وإنّما كان التفاوت فيما بينهم في درجة البلاغة لا نوعها، فمن المؤكّد أن بعضهم
كان أبلغ من بعضٍ، وإن كانوا جميعًا بلغاء، ولا سيّما القبائل التي لم تخالط
العجم، وهي القبائل التي أخذ عنها اللغويون والنّحاة كلمات اللغة وتراكيبها التي
يحتجّ بها، وتكون معيارًا يستدلّ به –وإن كان يوميًّا عاديًّا- على صحّة الاستخدام
اللغويّ وبلاغته.. لكنّها سطوة الخطاب الاستشراقي، حين تأسر العقل العربيّ!
ويمكننا أن
نستدلّ بنموذجٍ آخر يؤكد سطوة تلك الشّبهة على عقول مؤرّخي الأدب العربي، عنيت د.
عبدالعزيز نبوي؛ حيث يقسّم النثر إلى «شفهيٍّ»، و«كتابيٍّ»، ثمّ يقسّم كلّ واحدٍ
منهما إلى فنيٍّ وغير فنيٍّ؛ لتكون أقسام النثر في أربعة أقسامٍ، ولا تعنينا تلك
القسمة بقدر ما يعنينا هذا التساؤل الذي طرحه: هل ما وصل إلينا نثرٌ فنيّ جاهلي؟
وليس يخفى أنّ
مجرّد طرح هذا التساؤل موحٍ بأنّ د. عبدالعزيز نبوي يشكّ في النثر الجاهليّ، ثم لم
يلبث أن قطع الشّكّ باليقين، فقال جازمًا: «أكثر الباحثين -قدماء ومحدثين-
مطمئنّون إلى أن أكثر ما نسب إلى الجاهليّ من نثرٍ فنيٍّ؛ غير صحيحٍ؛ لأنّ التدوين
كان قليلًا جدًّا، فلم يحفظ من النثر إلّا اليسير» (د. عبد العزيز نبوي: دراسات في
الأدب الجاهلي، ص 301).
من الشك العام إلى الشك الخاص
ولئن أثبت د. طه
حسين للعرب خطبًا، وشكّ في صحّتها في الآن ذاته، لقد جاراه تلميذه د. شوقي ضيفٍ؛
إذ بدأ كلامه عن الخطابة الجاهليّة بقوله: «كان للخطابة في العصر الجاهليّ شأنٌ
عظيمٌ، إذ كانوا يستخدمونها في منافراتهم ومفاخراتهم، وفي النّصح والإرشاد، وفي
الحثّ على قتال الأعداء، وفي الدّعوة إلى السّلم وحقن الدّماء، وفي مناسباتهم
الاجتماعيّة المختلفة كالزّواج، والإصهار إلى الأشراف، وكانوا يخطبون في الأسواق
والمحافل العظام، والوفادة على الملوك والأمراء، متحدّثين عن مفاخر قبائلهم
ومحامدها، ونحن نعرف قصّة وفد تميمٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان من
قيام عطارد بن حاجب بن زرارة خطيبًا بين يديه» (د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في
النثر العربي، ص 27).
والسؤال الذي
يفرض نفسه أمام كلام د. ضيف : ألم تبعد المسافة بين خطبة عطارد بن حاجبٍ أمام
الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين تدوينها؟ فليت شعري: لم وثق د. ضيف بها؟!
على أن د. ضيف
قد عاد فشكّ في صحّة ما روي من خطب الجاهليّة، فقال: «ومهما يكن فنحن نؤمن بأنّ
أكثر ما يروى من الخطابة الجاهليّة لا يصحّ الاطمئنان إليه من الوجهة التّاريخيّة
لطول المسافة بين روايته وكتابته» (الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص34).
شكّ في «الأمثال» كذلك
على أنّنا قد نتجاوز عن شكّ أولئك الدّارسين في الخطابة الجاهليّة لطول الخطبة مقارنةً بالمثل، فمن المعلوم أنّ وجازة الأمثال وقصرها عونٌ على حفظها وعدم ضياعها، ونحن نلحظ في عصرنا هذا أنّ كثيرًا من أمثالنا العاميّة قد غبرت عليها سنون عديدةٌ دون أن تضيع، وقد توارثتها الأجيال شفاهةً دون كتابةٍ أو تدوينٍ.
ولكن يأبى
نيكلسون ومن وافقه أن يسلم للجاهليّين قولٌ، إذ يزعم أنّه لا ينبغي أن نعلّق
أهميةً تاريخيّةً تذكر على الأمثال الجاهليّة نظرًا لبعد الشّقّة بين العصر
الجاهليّ، وهؤلاء الرّواة والشّراح.
وقد أكّد
نيكلسون شكّه في أمثال الجاهليّة وشروحها، إذ يقول في كتابه «تاريخ الأدب العربيّ»
(ص 31): «إنّه من النّادر أن تفسّر هذه الأمثال نفسها، أمّا الشّروح المرتبطة بها،
فليست إلى عمل العلماء الذين كرّسوا جهودهم لتفسيرها، ولو أنّ المعنى الحقيقيّ لها
ليس إلّا ضربًا من التّخمين، والظّروف التي قيلت فيها قد نسيت تمامًا، ومع هذا فمن
الصّعب أن نصرف النظر عن المجهودات -مع ما فيها من مبالغةٍ– التي نجدها في مجموعات
الضّبّيّ والميداني؛ إذ إنّها تتضمّن معلوماتٍ عربيّةً كثيرةً تلقي ضوءًا على كلّ
ناحيةٍ من نواحي الحياة قبل الإسلام» (نقلاً عن د. بلبع: النثر الفني وأثر الجاحظ
فيه، ص 46).
وفي حديث د. ضيف
عن الأمثال الجاهليّة، نجده يوافق نيكلسون في زعمه، لأنّه رأى بعضها غامضًا أو
مبهمًا، واستدلّ لذلك بقول الجاهلييّن: «بعينٍ ما أرينّك»، حيث لحظ د. ضيف أنّ
معنى هذا المثل أسرع، لكنّ هذا المعنى لا يفهم من ألفاظه بتاتًا، ثمّ رأى شرّاح الأمثال
يضطربون في شرح بعضها، فقال مجاريًا نيكلسون: «وقد درج من ألّفوا في الأمثال على
أن يرتّبوها حسب حروفها، على نحو ما ترتّب المعاجم ألفاظها، ولذلك نراهم يوزّعونها
عادةً على تسعةٍ وعشرين بابًا بعدد أبواب الحروف الهجائيّة، ثمّ بعد هذا التوزيع
يفسّرونها، ويقصّون أحيانًا حوادثها التي جاءت فيها، معتمدين -غالباً- على الظّنّ
والتّخمين، ممّا جعل نيكلسون يذهب إلّى أنّ قيمة الأمثال محدودةٌ بالنسبة للعصر
الجاهليّ، وحقًّا ما ذهب إليه» (الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص 20).
عناية خاصة بـ«الأمثال»
وأحسب أنّ
نيكلسون ومن وافقه قد فاتهم أنّ «الأمثال» قد لقيت عنايةً فريدةً من الرّواة
والمؤرّخين منذ القرن الأول للهجرة، ذلك أنّ كثيرًا من علماء اللغة قد توفّروا على
روايتها، وجمعها، وشرحها، وضبطها؛ لأنّهم يحتاجون إليها في تحقيق ألفاظ اللغة
وضبطها؛ ففي كتاب الفهرست لابن النديم أنّ عبيد بن شريّة اليمنيّ الجرهميّ قد ألّف
كتابًا في الأمثال في خمسين ورقةً، أواخر القرن الأوّل الهجريّ، وهو أوّل مؤلّفٍ
في الأمثال، لكنّه ضاع. (انظر: الفهرست، ص90).
كما عني كثيرٌ
من أدباء البصرة والكوفة بجمع أمثال العرب، ومنهم: صحار العبديّ المعاصر لابن
شريّة، ويونس النّحويّ (ت 185هـ)، وأبو عبيدة (ت 211هـ)، وثعلبٌ (ت 281هـ)،
والقاسم بن سلّامٍ (ت 223هـ)، والمفضّل الضّبّيّ، وأبو هلالٍ العسكريّ.. وغيرهم.
ولئن كان أولئك
العلماء قد بذلوا جهدًا حميدًا في رواية الأمثال وضبطها، وتأليف الكتب الخاصّة
بها؛ لقد بذل علماء آخرون جهدًا موازيًا في شرح تلك الأمثال، وأضافوا إليها
الأمثال الحادثة في الإسلام، لولا أنّ كثيرًا من تلك الجهود قد ضاع، وبقي من هذه
الشّروح كتاب «المستقصي» للزمخشريّ (ت 538هـ)، و«مجمع الأمثال» للميدانيّ (ت 571هـ)،
وقد جمعه مؤلّفه من نحو خمسين كتابًا في الأمثال، ورتّبه على حروف المعجم بعد أن
أضاف إليه أمثال المولّدين.
ولا ريب أنّ تلك
الحفاية الخاصّة بالأمثال العربية فيما بين الجاهليّة والإسلام تجعلنا، كما يقول
د. عبد الحكيم بلبع: «أكثر ثقةً بها، وأشدّ اطمئنانًا إليها، سيّما وأنّ بعض رواة
هذه الأمثال ممّن سبق ذكرهم أمثال عبيد بن شريّة، وصحارٍ العبديّ، ويونس النّحويّ..
هم من رجال القرن الأوّل والثّاني للهجرة، أي أنّ العهد بين هؤلاء وبين البيئات
العربية التي نشأت فيها هذه الأمثال قريبٌ جدًّا» (النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، ص
46).
اقرأ أيضًا:
- سطوة الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (1)
- سطوة الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (2)
- سطوة الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (3)
- سطوة الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (4)
- سطوة الاستشراق على العقل الأدبيّ العربيّ (5)
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً