سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (5)

آفـةُ المستشرقين التّعميمُ والمبالغـةُ

لـم يبتدعِ المستشرقون قضية الانتحال أو الوضع في الشعر الجاهلي ولكنّهم بالغُوا فيها، ولـم يكن المستشرقُون أوّلَ مَن التفتَ إلى دور بعض الرواة في وضع الشعر الجاهلي وإفساده ولكنّهم عمّمُوا اتّـهام الرواة العرب بالوضع والكذب، ولـم يستثنُوا الثّقاة منهُم؛ فأمّا قضيةُ الوضع في الشعر الجاهلي فقد سبق إليها ابنُ سلّامٍ الـجُمحيّ؛ حيثُ قال: "فبدأنا بالشّعر. وفي الشعر مصنوعٌ مُفتعلٌ موضٌوعٌ كثيرٌ لا خيرَ فيه، ولا حُجّةَ في عربيّةٍ، ولا أدبٌ يُستفادُ، ولا معنًى يُستخرجُ، ولا مثلٌ يُضربُ..." [طبقات فحول الشعراء: 1/4]. ولا ريب أنّ ابن سلّامٍ دقيقٌ في استخدام حرف الجرّ (في) بمعنى التبعيض، ومن ثم يُفهمُ من قوله: "وفي الشعر مصنوعٌ مُفتعلٌ موضوعٌ كثيرٌ لا خير فيه"، أنّ بعض الشّعر موضوع مُفتعلٌ، وبعضه صحيحٌ موثوقٌ. أمّا المستشرقُون - ولا سيّما المتعصّبون منهُم - فيعمدُون إلى عبارةٍ مثل عبارة ابن سلّامٍ السّالفة، أو حتّى غيرها من أقوال سلفنا، فيُعمّمُون ما بعّضهُ الأسلافُ أو خصّصُوهُ، ويُبالغُون في الاتّـهام؛ إذ يرمُون الشعر الجاهليّ كُلّه في سلّة واحدةٍ، ويتّهمُونهُ كُلّه بأنه منحولٌ موضوعٌ لا ثقة فيه.

وقد سبقهُم ابنُ سلّامٍ كذلك؛ حين جعل الرّواة سببًا من أسباب إفساد الشعر العربيّ والزيادة فيه؛ حيثُ قال: "ثُم كان الرواةُ بعدُ، فزادُوا في الأشعار الّتي قيلت. وليس يُشكلُ على أهل العلم زيادةُ الرواة، ولا ما وضعُوا، ولا ما وضع المولّدُون..." [طبقات فحول الشعراء: 1/ 46]. وصحيحٌ أن ابن سلّامٍ لـم يستخدم هُنا حرفًا يُفهمُ منهُ التبعيضُ، لكنّ التبعيضَ مفهومٌ من استدراكِه؛ فقد أشار إلى زيادة الرواة في الأشعار، لكنّه أتبع ذلك بأنّ ما زادُوهُ لا يُشكِلُ على العُلماء البُصراء بالشعر منهُم، وإلى مثل هؤُلاء العُلماء يُرجَعُ في توثيق الشعر وتنقيته ممّا زِيـدَ فيه، أو وُضِعَ على قائليه؛ فقد قيّض اللهُ لشعرنا العربي رُواةً وعُلماءَ ثقاةً ينفُون عنه خبثَه، فكانُوا له كأهل الحديثِ لسُنّة الرسُول ﷺ، وإن لـم يبلُغُوا مبلغَ المحدّثين في حفظ سُنّة الرسُول ﷺ، وتنقيتها ممّا شابـها من وضعٍ وكذبٍ، فقد نُـقِلَ عن الإمام المحدِّثِ عبدِ الله بن المبارك أنّ رجُلًا جاءهُ مُتخوّفًا من كثرة الكذّابين والوضّاعين الذين كذبوا على رسُول الله ﷺ، فسأله فزعًا: هذه الأحاديثُ المصنُوعة؟! فأجابه ابنُ المبارك واثقًا مُطمئنًّا إلى جُهود المحدّثين فقال: "يعيشُ لـها الجهابذةُ". [الرازي: الجرح والتعديل: 1/ 2]، وقد كان لشعرنا العربيّ جهابذةٌ كذلك، وأشار ابنُ سلّامٍ إلى بعضهم كالأصمعيّ وأبي عُبيدة من أهل البصرة، والمفضّل الضّبيّ من الكُوفة.

نَـهْجَان شتّى: مُستقيمٌ وأَعْوجُ

لقد اخترنا المقارنة بين نـهج ابن سلّامٍ ونـهج المستشرقين؛ كي نـقف من تلك المقارنة عل فرقٍ جلـيٍّ بين من يكتُبُ عن الشّعر الجاهليّ لينفي عنهُ خبثهُ، ويُميّز صحيحهُ من مكذُوبه، وبين من يكتُبُ عنهُ ليُشكّك فيه ويـهدمهُ، لقد كانت غايةُ ابن سلّامٍ (وهوُ رجُلٌ مُحدّثٌ) أن يُؤسّس لعلم الأدبِ والشّعر عِلمًا شَبيهًا بعلم الجرح والتعديل الذي أسّسه يحيى بنُ معينٍ، وعليُّ بنُ المدينيّ وأحـمدُ بنُ حنبلٍ، لكنّ الذي أرادهُ لـم يُمهلهُ القدرُ حتّى يُحقّقهُ، ولـم يُحقّقهُ أحدٌ بعدهُ. [انظر: محمود محمد شاكر: قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام: 73].

أما المستشرقُون، فكانت غايةُ المتعصّبين منهم هدمَ الشّعر الجاهليّ، ومن ثمّ بدت البغضاءُ من أفواهِهم، وما تُخفي صُدُورُهُم أكبـرُ، وقَد تَجاوزُا في تحامُلهم على رُواة الشّعر العربيّ؛ التّشكيك في ذاكرتـهم إلى التّشكيكِ في أخلاقهم ودينهم، وهذا ما لـم ينزلق إليه ابنُ سلّامٍ رُغم يقينه بأنّ بعض الرُّواة كانُوا سببًا في إفساد الشّعر الجاهليّ؛ ولقد تحدّث عن واحدٍ منهُم فلم يتّهمهُ في دينٍ ولا خُلُقٍ، وإنّما أرجع السبب إلى أنّه كان من أهل العلم بالسّير، ولـم يكُن من أهل العلم بالشّعر، يقُولُ ابنُ سلّامٍ: "وكان ممّن أفسد الشّعر وهجّنهُ وحـمل كُلّ غُثاءٍ منهُ، محمدُ بنُ إسحاق بن يسارٍ - مولى آل مـخرمة بن المطّلب بن عبد منافٍ، وكان من عُلماء الناس بالسّيـر ... - فقبل النّاسُ عنهُ الأشعار، وكان يعتذرُ منها ويقولُ: لا عِلْمَ لي بالشّعر، أُتينا به، فأحـملُه. ولـم يكُن له عُذرًا" [طبقات فحول الشعراء: 1/ 8]. وجليٌّ أنّ ابنَ سلّامٍ لـم يقبل اعتذار محمدِ بن إسحاقَ، لكنّه لـم يتّهمهُ في دينِه وأخلاقِـه، بل نقل شهادةَ الزُّهريّ في حقّه، وإنّما كان ينتظرُ منهُ أن يَعرضَ تِلك الأشعار على العُلماء بـها؛ وهذا ما فعلهُ عبدُ الملك بنُ هشامٍ مُهذّبُ سيرتِهِ؛ إذ كان يعرضُ ما ورَدَ في سيرة ابن إسحاقَ من أشعارٍ على العُلماء بالشّعرِ، ومن ثمّ نـفَى أكثر خبثها [قضية الشعر في كتاب ابن سلام: 77] . ومعنى ذلك أنّ تُراثنا يُراجعُ بعضُه بعضًا، ويُـقوّمُ بعضُهُ بعضًا.

أمّا المستشرقُون فلم يُحسنُوا جرَّاءَ تعصُّبهم البغيضِ التعامُل مع كلام أسلافنا عن الشّعر الجاهليّ وروايته، وغلبَ عليهم الانتقاءُ من كلام السّلفِ، يأخُذُون منهُ ما يخدمُ غايتهم، ويترُكُون ما يُناقضُها، وقد يُبالغُون ويُـهوّلُون فيُحمّلُونَ كلام بعض السّلف ما لا يحتملُ!

وكلامُ أسلافِنَا لَـيسَ مَعصُومًا

ولا يعني ما قُلناهُ آنفًا أنّ كُلّ ما قيل في تُراثنا حقٌّ ولا يقبلُ المراجعة؛ ذلك أنّ الجهود البشريّة في تُراثنا قد تضمّنت الصواب والخطأ والغثّ والسّمين، ومن ثمّ فنحنُ بحاجةٍ ماسةٍ إلى قراءة نقديّةٍ لتراثنا الفكريّ والأدبيّ تُصحّحُ أخطاءهُ، وتنفي زيـفهُ، وما دُمنا نتحدّثُ عن رُواة الشّعر الـجاهليّ؛ فينبغي أن نلفتَ الأنظار إلى أنّ رَاوِيـةً ثـقةً قد ظلَمهُ المستشرقُون، وبعضُ عُلمائنا القُدماء على سواءٍ؛ وتفصيلُ ذلك أنّ المستشرقينَ لَـم يكتفُوا بالـهُجوم العامّ على رُواة الشّعر العربيّ، ولربّما وقعَ بعضُهُم على تجريحٍ لراوٍ بعينه في تُراثنا، فيكُونُ ذلك غنيمةً باردةً يُوظّفها المستشرقُ في هدم الشّعر الجاهليّ، وممّن فعل ذلك المستشرقُ ألفرت؛ إذ وجد المفضّل الضبيّ وأبا الفرج الأصفهانيّ يُجرّحان حـمّادًا الرّاوية فنقل عنهما دُونما تمحيصٍ أو مُراجعةٍ [انظر: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: ص 47] ، وذهبَ إلى أنّ مُعاصرهُ (خلف الأحـمر) كان أخطر منهُ بكثيرٍ في إساءة التصرُّف في الشّعر الجاهليّ، لأنّـهُ وجد في أسلافنا من يتهمُهُ بنحل الشّعر [السابق: 47] ، والشّيءَ نفسَه فعلهُ مرجليُوثُ؛ إذ أشار إلى اتّـهام كتاب (الأغاني) حـمّادًا الرّاوية بالانتحال دُون حياءٍ، وأنّ مُعاصرهُ المفضّل الضّبيّ اتّـهمهُ بأنهُ أفسد الشّعر إفسادًا لا إصلاحَ معهُ، ورأى ياقُوتَ الحمويّ يروي عن النحّاس: أنّ المعلّقات السّبع جـمعها حـمادٌ هذا، فقال مُعقّبًا: "وبودّنا لو كان اكتشافُها قد تمّ على يـدي شخصٍ آخر أدعَى إلى الثقة والاحترامِ" [دراسات المستشرقين: ص 83]، وأقلُّ ما يُفهمُ من تعقيب مرجليوثَ أنّ المعلّقات وهي أنـفسُ القصائد لدى الجاهليّين ليستْ موضع ثقةٍ ولا احترامٍ، ولـم يترُك مرجليوثُ رُواةً آخرين دُون أن يلمزهُم في ثـقتهم وعدالتهم، ومنهُم جنّادُ الرّاويةُ، وخلفٌ الأحـمرُ، وأبُو عمرو بنُ العلاء، وأبُو عمرٍو الشّيبانيُّ.

حـمّادٌ الـرّاويـةُ: ثـقةٌ جنىٰ عـلَيهِ اسـمُهُ

ولسنا نستغربُ وُجود رُواةٍ وضّاعين للشّعر، أو غير موثُوقين، فقد فُعل ذلك بحديث رسُول الله ﷺ، وهُو سُنّـةُ تُتبعُ، ألا يُـفعلُ بشعر الجاهليين؟! لكنّنا نستغربُ ألّا يـتريّث بعضُ سلفنا، والمستشرقُون كذلك في تـجريح راويـةٍ ثقةٍ؛ عنيتُ حـمّادًا الرّاوية، مع أنّ الرجُل كان نادرة زمانه وأُعجُوبة عصره، ولقد لُقّب بـ (الرّاوية) لقُدرته الـخارقة على الحفظ والاستظهار، وهُو أوّلُ مَن التفتَ إلى أهـمّية جـمع الشّعر العربيّ وتصنيفه، يحدُوهُ ذوقٌ رفيعٌ وحاسةٌ جـماليّةٌ مُتميّزةٌ، وحبٌّ قويٌّ للشّعر العربيّ، فقدّم للأدبِ العربي أثمن ما لديه، إنّـها المعلّقاتُ، وإنّما شُوِّهَ الرجُلُ لأسبابٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، فقد كان زعيم مدرسةٍ، وكبيرَ رُواةٍ، حشدَتْ ضدّهُمُ المدرسةُ الأُخرى المناوئـةُ، كُلّ طاقتها في التجريح والتشويه، وزد على ذلك أنّ الزمان قد قلب له ظهـر المجَنِّ، فاختلط الحابلُ بالنّابل، واشتركَ معهُ كُلُّ من يحملُ اسمهُ؛ فحمّادُ عجْرَد، وحـمّادُ بنُ الزّبرقان، وحـمّادُ بنُ يحيى، وحـمّادُ بنُ عبّاسٍ، وحـمّادُ بنُ سابُور، بـل حـمّادُ بنُ سلمَة، كُلُّ هؤُلاء حـمّادٌ الرّاويةُ، فالزّنديقُ هُو والكذّابُ هُو، والسّكيرُ هُو، والفاسقُ هُو. [حـمّادُ الراويةُ بين الوهم والحقيقة: 6]، ولا يـتّسعُ المقامُ لمناقشة ما اتُّـهم به حـمّادٌ الروايةُ، وقـد كفانا د. فضلُ بنُ عمّارٍ العماريّ مشقّة هذا الأمر؛ إذ أنصف حـمّادًا مـمّا اتُّـهم به زُورًا في كتابه الـماتع (حـمّادُ الراويةُ بين الوهم والحقيقة)، وانتهى في ذلك الكتاب إلى أنّ حـمّادًا الرّاوية كان عملاقًا من عمالقة الرّواية الشفويّة، وإنّما جنى عليه تشابُه اسمه معَ بعض مُعاصريه، فحُمّل سَوْءَاتِـهم، فضلًا عن الصراع السياسيّ وعداوة الإنسان للإنسانِ. وليُراجعِ الكتابَ من أراد تـفصيلًا أو مزيدًا.

ولقد انطلتْ تِلْكَ التُّهمُ على بعض المُحدَثِينَ، فَغدَوْا يُردّدُونـها دُونما اكتراثٍ، حتّى جعلُوا حـمّادًا فارسَ الوضع والانتحال؛ مثلما قال د. إبراهيمُ أبُو خشبٍ خلالَ حديثه عن ظاهرة الانتحال: "وفارسُ هذا الميدان هُو حـمّادٌ الرّاويةُ لأنّـهُ بـذّ جـميع الرُّواة عربًا ومَوالي... وكان - لبصره بالشّعر - أقدرَ من غيره على الوضع والانتحال لأغراضٍ شخصيةٍ أو شُعوبيةٍ" [تاريخ الأدب العربي، العصر العباسي الأول: 72]. ويُشبهُهُ د. حُسينُ عطوان حين تناولَ دَور الموالي في الانتحال فقال: "عَبثُوا بالشّعر عبثًا شَديدًا، سواءٌ بنسبة الشّعرِ إلى غير قائلِه، أو بوضع الأشعار وإضافتِهَا إلى تُراث الجاهليين، حتّى لا يكُون للعرب أدبٌ موثوقٌ به، يطمئنُّ إليه الناشئةُ... وعُرِفَ منهُم بذلك عديدُون أشهرُهم حـمّادٌ الرّاويةُ، الذي جرّحه عُلماءُ الكُوفة والبصرة واتـهمُوهُ بصُنع الشّعر وإفساد التُّـراث" [الشعراء من مخضرمي الدولتين: 249].. ولعلّك لاحظت أن د. حُسين عطوان أدرك خبء قضيّة الانتحال وما يُـرادُ من وارئها بأدب العرب، لكنّها سطوةُ الاستشراق حَـمَلَتْـهُ على ترديد ما اتُّـهم به حـمّادٌ الرّوايةُ زُورًا.. وللحديث بقيةٌ.



اقرأ أيضًا:

سطوةُ الاستشراق علىٰ العقل الأدبيّ العربيّ (1)

سطوةُ الاستشراق علىٰ العقل الأدبيّ العربيّ (2)

سطوةُ الاستشراقعلىٰ العقل الأدبيّ العربيّ (3)

سطوةُ الاستشراق علىٰ العقل الأدبيّ العربيّ (4)


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة