...

سر الألف في «مائة».. رحلة بين النقوش والمخطوطات

لطالما كانت الكلماتُ في لغتنا العربية كائناتٍ حية، لها تاريخٌ يمتد وجذورٌ تضرب في عمق الزمان، ومن بين تلك الكلمات التي أثارت جدلا طويلا في رسمها كلمة «مائة»؛ فبين منطوقٍ يخلو من مدٍّ، ومكتوبٍ تبرز فيه ألفٌ حائرة، ينشط الدارسون في البحث عن الحقيقة بين تعليل اللغويين القدامى وتفسيرات المحدثين، في صفحة (سحر البيان)، نفتح معكم اليوم ملفَّ هذه الكلمة، لنكشف سرَّ تلك الألف الزائدة: هل وُضعت للفرق، أم أنها بقيةٌ من رسمٍ تاريخي قديم؟

الواقع الكتابي قديمًا وحديثًا

أول ما يقع تحت أيدينا من واقع كتابي لهذه الكلمة هو أنها وردت في أحد النقوش النبطية مكتوبة بالألف دون الياء هكذا: "ماة"، ومن الواضح أن الألف تعبر عن الهمزة ويؤيد هذه الصورة أبو حيان حين يقول إنه رأى كلمة "مائة" بخط بعض النحويين هكذا "مأة" بألف عليها همزة "رأس العين" دون ياء.

وإذا ما ذهبنا إلى المخطوطات العربية القديمة نجد تخبطا شديدا في كتابة الكلمة؛ ففي نسخة مخطوطة من الرسالة للإمام الشافعي نجدها في لوحة واحدة كتبت بطريقتين إحداهما هكذا "مائة" والأخرى هكذا "مأية"، وفي نسخة مخطوطة من كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري تجدها مرة كتبت هكذا "ماية"، ومرة "مائة"، ومرة هكذا "مئاية"، وفي شرح فصيح ثعلب النسخة المخطوطة تجد كلمة "ثلاثمائة" مكتوبة هكذا "ثلثمأية"، وفي كتاب التوقيف والتسديد في شرح الفريد في علم التجويد تجد كلمة "مائتين" مكتوبة هكذا: "ماتين"، وفي كتاب دستور ثابت ابن قرة "وجدت كلمة ثلاثمائة" مكتوبة هكذا "ثلثمائة"، وفي سقط الزند لأبي العلاء وجدت كلمة "ستمائة" مكتوبة هكذا "ستمائة" وهي مثل ما تكتب عليه اليوم .

في رحاب المخطوطات.، اضطرابٌ أم مرونة؟

وهكذا كلما تأملت في المخطوطات العربية القديمة وجدت أن هذه الكلمة في حل من الضبط والربط "غير ملتزمة طريقة واحدة في كتابتها"، أما في الواقع الكتابي الحديث فمع وجود قرار لمجمع اللغة العربية بالقاهرة بشأن حذف الألف من "مائة" فإنك تجدها تُكتب بألف بعدها ياء عليها رأس عين هكذا "مائة".

وتخبط هذه الكلمة في الكتابة في الواقع الكتابي القديم من ناحية ووجود زيادة للمكتوب عن المنطوق بها من ناحية أخرى يجعلنا نتساءل عن أسباب كتابة الكلمة هكذا مخالفة للمنطوق؟

يرى كثير من العلماء القدامى الذين تعرضوا للهجاء أن الحرف الزائد في كلمة "مائة" هو الألف وأن الياء عليها قطعة رأس العين هي المصورة للهمزة، ويرون أن الألف زائدة لوظيفة دلالية وإن اختلفت آراؤهم في توجيه هذه الدلالة؛ فيذهب البصريون إلى أن الألف زائدة للتفريق بين كلمة "مئة" وكلمة "منه"، وإذا ما رجعنا إلى الخط العربي قبل تكملته بالنقط والشكل تجد أن الكلمتين متشابهتان، ويوضح نصر الهوريني الدافع إلى التفرقة بين الكلمتين فيقول: "وأما زيادة الألف حشوًا ففي كلمة مائة قالوا في علة زيادتها: للفرق بينها وبين كلمة (منه)؛ فإن الهمزة في (مائه) تكتب ياءً لوقوعها مفتوحة بعد كسر حتى يجوز نقطها والنطق بها ياء حقيقة غير مشددة كما في قول زرقاء اليمامة: (تم الحمام مية) فإذا كتبت: (أخذت مية) بلا زيادة ألف اشتبهت بـ(أخذت منه)؛ لأنهم كانوا أولا يتساهلون بترك النقط كما كان المصحف أولا في عصر الخلفاء الراشدين فجعلوا زيادة الألف لمنع الالتباس".

وقد ضعف الكوفيون هذا الرأي وحجتهم أن كلمة "مائة" اسم وكلمة "منه" حرف فهما جنسان مختلفان والفرق ينبغي أن يجعل في متحد الجنس يدل على ذلك أنهم لم يفرقوا بين كلمة "فئة" وكلمة "فيه" لاختلافهما في الجنس، وقد ذكروا تعليلات أخرى تسهم في التفريق بين هذه الكلمة "مائة" وبين كلمات أخرى.

كتابة تاريخية لا زيادة إملائية

ومع إيماننا بالشبه القائم بين كلمة "مائة" مئه" و "ومنه" قبل النقط أو بالشبه القائم بين كلمة "مئه" و "فئة" كما ذهب الكوفيون فإننا لا نطمئن لأن يكون هذا هو سبب كتابة الكلمة بزيادة فيها لأمور منها:

1-  أن السياق كفيل بالتفريق بين الكلمات المتشابهة وإلا لكانت نسبة غير قليلة تحتاج إلى زيادات خطية للتفريق بينها وبين ما يشابهه، وأن وجود الكلمة مرسومة هكذا "ماه" دون ياء في أحد النقوش النبطية يستبعد -كما سيأتي- أن تكون الألف هي الزائدة.

وفي حين يذهب القدامى إلى هذا الرأي القائل بأن الألف هي الزائدة يذهب كثير من العلماء المحدثين إلى أن الزائد هو الياء وأن الألف هي صورة الهمزة، يقول المستشرق الألماني فرنرديم ما ترجمته: "ومهما يكن من أمر فإن الألف في "مائة" كتابة تاريخية كانت تعبر في مرحلة ما عن الهمزة ثم احتفظ بها بعد إبدال الهمزة الواقعة بعد الكسرة ياء ونظرًا لأن الألف لم تكن له قيمة صوتية فقد كتبوا الياء التي صير إليها".

وفي رأينا أن هذا التفسير يقوم على أسس بحثية لما له من أدلة تؤيده قد سبق بعضها في أثناء الحديث عن الواقع الكتابي للكلمة منذ القدم من هذه الأدلة، منها:

وجود الكلمة مرسومة في أحد النقوش النبطية بالألف دون ياء هكذا "ماه"، ومنها ما ذكره بعض العلماء من وظيفة وجود الألف الواقعة في وسط الكلمة قديمًا؛ إذ يقول بعضهم اتضح من دراسة الأعلام العربية الواردة في النقوش والبرديات أن الألف الواقعة في وسط الكلمة ليس لها إلا وظيفة واحدة هي التعبير عن الهمزة، ولا ترمز بحال إلى الفتحة الطويلة "ألف المد" كما هو الحال.

ومن هذه الأدلة ما ذكره أبو حيان أنه رأى كلمة "مائة" بخط بعض النحويين هكذا "مأة" بألف عليها همزة "رأس عين" دون ياء، وهذا ما يرجح كون الألف كتابة تاريخية وهذا يدعو إلى القول بأن الاحتفاظ بهذه الكتابة التاريخية هو سبب مخالفة المكتوب للمنطوق في هذه الكلمة.

وهكذا، يتضح لنا أنَّ رسم الكلمات ليس مجرد قواعد جامدة، بل هو سجلٌّ حضاري يحفظ لنا تطور الحرف العربي، وبالرغم من قرار مجمع اللغة العربية بتسهيل رسمها وحذف الألف، فإنَّ (مائة) تظلُّ عصيةً على التغيير في الوجدان الكتابي، شاهدةً على عبقرية سياقاتنا التاريخية.

فهل ستميلون في كتابتكم القادمة إلى (مئة) ببساطتها الحديثة، أم ستتمسكون بـ(مائة) بعراقتها التاريخية؟



اقرأ أيضاً:

- "العربية".. اللغة الصامدة 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة