سوالف المجتمع (2)

رواية «طلاء الشيطان»

راودها الحلم لدى النهار وفي الكرى أن تحظى بوظيفة لدى الحكومة مثل كثير من زميلاتها، لتحقق بتلك الوظيفة ذاتها وتعلى مكانتها.

لم يثنها عن حلمها زواج وإنجاب ولا زهادة زوجها في وظيفتها، وسعت باذلة كل جهد، وأنفقت في سخاء كثيراً من الوقت، وأسفر سعيها المحموم عن اللحوق بالمراد، غمرتها سعادة تربو على كل وصف بعدما ظفرت بالمرام، وتسلمت العمل وأعادت ترتيب حياتها لتتواءم مع ما استجد.

عانت في مبدئه وهي ممزقة بينه وبين البيت، لكنها صابرت وثابرت، واعتادت حتى ألفت العناء والمكابدة، وازدادت ألفتها مع تقادم الأيام والشهور، ومع تقادمها بانت لها معالم الناس من حولها، ورضيت منهم ما رضيت واستنكرت ما شاء لها الاستنكار.

وهكذا طول المكث بين ظهراني القوم يميط لثام الجهالة عن حقائقهم، لم تعر كثير اهتمام لكثير مما عرفت، لكن من بين زملائها من أثار الانتباه فيها وأيقظ الاهتمام، فهو خفيف الظل مرح يتقن المزاح، ولسانه به طلاقة، منمق الكلمات، كما أنه يتأنق في لباسه ويسبغ على مظهره حسنًا يلوي كل جيد.

كانت وعلى غير إرادة منها تهتم لأمر هذا الرجل، ويدب في قلبها تجاهه ما يخجلها فتتقي رؤيته غاية الاتقاء هرباً بقلبها المسحور ببهاء طلعته وحلاوة اللسان، وفي خلوتها كان الرجل يقتحمها ويتراءى شبحاً لعينيها فتغلقهما عنه رجاء أن يذهب، فيخرج لها طيفاً يغازل مخيلتها فتستسلم له وترخي العنان، متأملة في انبهار وإعجاب، وعندها تشعر دبيب أسى في فؤادها أن زوجها ليس له من جميل خصاله شيء.

وودت ود الفاقد أن لو كان شريك حياتها مثل هذا الرجل أو حتى قريباً منه، ويزيغ منها البصر عندئذ وتروح في حسرات أليمات تعود منها على نقمة تنقمها لذاك الذي تقاصر في طبعه دون ما يعجبها من ذلك الفاتن الخالب للب الآسر للفؤاد، وتعود من عملها حاملة أوضار التأفف من بعلها، وحين تبصره يجيش بها غيظ تخفق في مغالبته فتنفث بعضه في حدة تحتدها عليه إن حادثها، وإعراض عنه إن سكت.

وأمسكت لسانها عن عذب الحديث الذي كانت ترويه به، وإن لفظت فبالملح الأجاج يكون ملفظها، وهو يرقب ذلك ويستشعره فتأخذه سِنة من الغضب يخمدها بأنها ذات عذر، فللعمل عناء وبه مشقة قد تكون من وراء انتكاستها.

ومضت بها الأيام على أرض تميد فلا يقر لها قرار، ويزداد في قلبها بون الفراق مع زوجها، والدنو من ذاك الألعبان، ومن ذا كان الفتور في حياتها الزوجية هو الثمر الخمط وشر الحصيد، تكدرت حياتها وحياته، والبيت ضاقت جدرانه عليها حتى لكأن أضلاعها تختلف حين تأوي إليه، فضاقت به ذرعاً وما عادت تطيق البقاء فيه على كره من الرجل، وأساريرها تنبسط بالمرح حين تعود لموطن العمل وحين تقع عيناها على ذي الحسن والظرافة والبهاء.

تخلف زميل العمل يوماً عن عمله وأثناه بتخلف ثان، فتساءل الجميع عن داعي التخلف وهي في لهفة مع الجميع تساءلت، ولم يطل الجواب عن الغياب فحمله إليهم زميل لهم وجار لذاك الغائب وراح يهينهم في خجل لكل سائل بأن الفتى قد كان ضمن ثلة العهر التي ألقي القبض عليهم في وكر للدعارة.

وجاءت زميلة على عجل تسعى لتخبر الملهوفة الخبر، فوقع عليها كجلمود صخر، لم تذعن بالتصديق وراحت تدافع عنه في سرها بكل ألوان الدفاع وببعضه في العلن مخافة انكشاف خبيئة قلبها، لكن الخبر قد تواتر وتوثق ولم يعد في قوس البراءة منزع، فسلمت بصحة المخبر وما كادت تفعل، صدقت وقد أوشك عقلها أن يذهب، وراحت بوجدانها في مجهول لا تعلم له كيفاً ولا وصفاً، أسقط في يدها وانفلت من مقلتها الدمع رغماً عنها، فتذرعت بعلة رأسها لمن يجاورها كي تتوارى ساترة فضيحة دمعاتها، وخلت بنفسها وأرخت العنان للدمع يهمي على وجنتيها في تلاحق وغزارة حتى قضت نهمتها من نفث الأسى واجترار مرارته.

وتحررت من أسره رويداً رويداً حتى ثابت لبعض رشدها، وزالت عن عينيها غشاوتها فضمت جنبات صدرها بالحنق على ذلك الشيطان المزوق ذي القناع الكاذب المزور، ونفثت بلعنات صبتها على أم رأسه في خلدها، وكذلك على ذاك العمل الذي كان لكل ما حصل سبباً، قضت وطرها من الندامة والأسف، ولملمت شعث نفسها وأضغاث قلبها التي تناثرت وقامت وقد جففت بقايا دمعها ولحقت بمجلس رفيقات العمل.

مضى يوم الصدمة وانتهى، ووقعت توقيع الانصراف وخرجت، خرجت بقلب غير الذي جاءت به في صبحها، وتذكرت في الساعة بعلها، فشخصت ببصرها لتجتاز البيوتات به إلى بيتها عجلة منها واشتياقاً، وهرولت نحو مطيتها وركبت، وقادتها غائبة عن الوعي بكل ما حولها وكأنها وحيدة بين الزحام، قلبها يخفق لصورة زوجها التي ملأت الدنيا من أمامها، والشوق ملء القلب يسبقها، حتى وصلت ونزلت مسرعة وهرولت، ولما أبصرت زوجها هرعت إليه بغير أهبة منه وألقت عليه بجسدها وهو جالس واحتوته احتواء الخائف من ضياع غال أو واجد لمفقود عزيز، وراحت في سكون وهو معها في سكونها غير مستوعب لصنيعها!

وطفقت تناجيه بكلام شعوري غير مسموع: آه يا أيها الحبيب الذي توارى حسنه خلف قبح حماقتي، أيها الطاهر العفيف ذو القلب النظيف، لشعث نعلك بألف رقبة من رقاب اللئام الملاعين، أنا المغبونة في عقلها حين ازدريتك وأنت أهل الإكبار والإجلال، أنا السفيهة حين أنزلت السفيه منزلة تعلوك وهو وضيع، أنا البلهاء حين أغراني طلاء الشيطان وعميت عن صفو خلقك الميمون.

فيا ليت شعري هل تقفل الأيام راجعة فأجعلك تاج رأسي وأضع الوضيع دون نعلي؟! بل هل تقفل الأيام فأبقى في بيتي وقفاً على زوجي فأكون أرحت واسترحت؟! ثم ناجته بنبض قلبها أن يكون لها منه غفران ومسامحة وعفو عن هفوات كانت منها في ساعات غاب فيها عقلها والضمير.

ولما أطالت السكوت، وضع كفه أسفل وجهها ليجد دمعاً محتبساً يكاد يقطر من عينيها، وقبل أن يسألها عن سره تبسمت له وعادت بظهرها إلى الخلف ووضعت كفيها على خديه وقالت: قد عدت إليك من غياب طارقة باب قلبك، فهل سيفتح لي أم سيبقى موصوداً من سوء فعلي وسفاهتي؟ ضمها إليه في حنان وقال: لا تثريب عليك، ولقد علمت بأنك حتماً سوف تعودين، وها قد عدت، والرجاء ألا تخرجي كرة أخرى.

اقرأ أيضا 

رواية زوجة الأستاذ المرزق

آفة المقارنة في الحياة الزوجية

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة