رمضان.. وبناء مَلَكة التحرِّي

د. أحمد طه

09 مارس 2026

233

تأتي فريضة الصيام في شهر رمضان محمَّلةً بفيضٍ من الأحكام والمعاني والمقاصد التي بثّتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، داعيةً المسلمين إلى تدبّرها ومدارستها والتزوّد من هداياتها، وقد كنت أرى أن نصوص الصيام –كسائر آيات الأحكام– واسعة الأفق في دلالاتها وتوجيهاتها؛ إذ يمكن تناولها من زوايا متعددة بحسب المنطلق الذي يقف عنده الناظر فيها.

فمن العلماء من يقاربها من منظور فقهي يستخرج أحكامها وحدودها، ومنهم من يتأمل مقاصدها وغاياتها، وآخرون يدرسونها من جهة أخلاقية أو تربوية أو اجتماعية أو سيرية.

وما إن يختار المرء زاويةً من هذه الزوايا ويُحسن التركيز فيها، حتى تتكشّف له من المعاني والهدايات ككنوز متدفقة، فيقف مبهورًا بجلال هذا الوحي، وإعجازه الذي يتجلّى في كل حرفٍ منه، وهو يصوغ الفرد ويهذّب الأمة ويقودها إلى تمام صلاحها.

ولذا، فإني أردت أن أشارك بقلمي في تناول أراه مهماً في دنيا البناء والمعالجة من خلال آيات الصيام وأحاديثه ألا وهو موضوع الفريضة وبناء الملكات، حيث إنني أؤمن أن الفرائض جمعت طرقاً واحتوت رسماً لبناء ملكات الإنسان المسلم على مستويات متعددة راقية، والمتعمق فيها يجدها تبرز له جملة عظيمة من هذه الملكات التي ينبغي أن يحرص على إيجادها وتجذرها فيه أو تنميتها وترقيتها إن كانت عنده، من هذه الملكات التي يبنيها الصيام ورمضان بل والفرائض بشكل عام من خلال المنهج الإسلامي ألا وهي «ملكة التحري».   

والتَّحَرِّي معناه: القَصْدُ والاجْتِهادُ فِي الطَّلَبِ، والعَزْم على تَخْصيصِ الشَّيءِ بالفعْلِ والقَوْلِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (الجن: 14)، أَي توخَّوْا وعَمَدُوا.

ولذا، فإن هذه الملكة التي يجب أن تكون فينا حاضرة والموجهة لكثير من الأمور في مسيرتنا وحركتنا نحو ربنا طلباً وتعبداً، ونحو دنيانا تعميراً واستخلافاً، ولذا فإن اللفظة جاءت في الخطاب القرآني والخطاب النبوي بكثير من الدلالات والمعاني المكملة عملية البناء، والمؤكدة لأهمية هذه الملكة، وعلى النطاق الحياتي.

فنحن نقول: تحري الهلال، وتحري الحلال، ومن هذه اللفظة أخذت كلمة التحريات التي يستخدمها أهل الشرط والقضاء في تتبعهم للوصول للحق وإقامة العدل بل وانبثق منها عمل كامل ووظيفة ممتهنة في كثير من المؤسسات المعنية بالتتبع والتأكد من سلامة المعلومات والأشخاص والمؤسسات.

ولهذا استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في معنى مهم عندما قال: «تَحَرَّوا ليْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأواخِرِ»، وفي رواية: «في الوتر من العشر» (رواه البخاري، ومسلم)؛ أَي تعَمَّدُوا طَلَبَها فِيهَا.

كما استخدمها في الصلاة عندما قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ الشَّيْطَانِ» (رواه البخاري، ومسلم).

كما أرادنا أن نتربى عليها لدفع كل شك وتأكيد كل يقين عندما أمرنا صلى الله عليه وسلم قائلاً: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الذي هو أقرب للصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (رواه مسلم)، بل كانت منهجاً من مناهج عمله وسُنة من سنن فعله وتربيته، فقد تحرى صلى الله عليه وسلم الأيام صياماً كعاشوراء والإثنين والخميس.

وتحرى الصلاة في بعض الأماكن كما أخبر يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بن الأكوع الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي مَعَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. (رواه أحمد).

ويتحرى الدعاء في بعض الأمور الدالة على وقت الإجابة كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: «تَحَرَّوُا الدُّعَاءَ فِي الْفَيَافِي وَثَلَاثَةٌ لَا يَرُدُّ دُعَاؤُهُمْ: عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْقَطْرِ» (أبو نعيم في حلية الأولياء)، وغير هذا كثير نصاً واستنباطاً من عمله وقوله صلى الله عليه وسلم، ولأهمية بناء هذه الملكة يجب أن نحمل ما يؤدي إليها ويرسخ وجودها فينا في نقاط سريعة:

1- أن تكون متيقظاً حريصاً لمواطن الطاعات غير غافل عنها ولا مشغولاً:

كما فعل الصحابة في التراويح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا من أشد الناس تيقظاً له وحرصاً على الامتثال والإتيان معه بالطاعة، كما جاء عند البخاري: أَنَّ عَائِشَةَ قالت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا».

2- أن تتبع وترقب كل ما يفيدك وينميك، فإنه علامة الاهتمام وأدعى إلى الإتمام:

كما كان يفعل عبدالله بن عباس في تتبعه وترقبه للنبي صلى الله عليه وسلم تعليماً واقتداء حتى نال الحظوة وفاز بالدعوة النبوية.

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ «قَرَأَ الآيَاتِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ أَتَى شَنًّا مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ» (رواه البخاري).

3- الجد والاجتهاد في الطاعات وتحصيلها:

وضع الشيء في موضعه وإصابته في موطنه، وهذا معنى تحروا ليلة القدر في العشر الآواخر من رمضان أخذاً بتنفيذ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69).

وكما فعل ابن عمر اجتهاداً وامتثالاً لأوامر نبيه صلى الله عليه وسلم، فعند مسلم عَنهَ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ، ارْفَعْ إِزَارَكَ»، فَرَفَعْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «زِدْ»، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْدُ..

4- اغتنام الفرص مع المسابقة والمسارعة لها:

وهذا رمضان ميدان ذلك لا تفوتك مواطن الخير ومناشد البر ودعوة المناد من قبل الجنان لباغي الخير ومغتنم نفحات الدهر، مع المسابقة للفوز بالدرجات العلا والوصول لذروتها لسان حالك وفعلك كما كان فعل عكاشة بن محصن الذي اغتنم الفرص من النبي صلى الله عليه وسلم وسبق غيره بها والفارق لحظة وبرهه، فعند مسلم من حديث عمران في حديث «يدخل من أمتي سبعون ألفاً من غير حساب..» وفيه: فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».

هذه بعض علامات بناء هذه الملكة التي دعانا إليها القرآن والسُّنة فتأمل وجودها في واديك، وفعل حضورها فيك وكن متحرياً للخير إتياناً، ومتحرياً للشر تجنباً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة