روائع البيان في المراسلات النبوية (1)

رسالة النبي للنجاشي.. حينما تحاور البلاغةُ القلوبَ قبل العقول

محرر سحر البيان

14 فبراير 2026

207

لم تكن رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء مجرد مراسلات سياسية أو مذكرات دبلوماسية لتأمين حدود الدولة الناشئة، بل كانت بيانات إيمانية صيغت بلسانٍ أوتي جوامع الكلم، ومن بين هذه الرسائل، تبرز رسالته إلى أصحمة النجاشي، ملك الحبشة، كنموذج فذّ في فن الخطاب، وقدرة فائقة على محاورة الآخر من منظور عقدي مشترك، واستخدام الحجة المنطقية والوجدانية في آن واحد.

ذكر الواقدي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى النجاشي كتابًا، وأرسله مع عمرو بن أمية الضمري، فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسولِ الله إلى النجاشي ملك الحبشة، سِلْمٌ أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابنَ مريم روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم البَتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاةِ على طاعته، وأن تتبعني وتؤمنَ بالذي جاءني، فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودَك إلى الله عز وجل، وقد بلَّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى» (زاد المعاد لابن القيم، 3/ 872).

براعة الاستهلال

تبدأ الرسالة بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، وهو استهلال يضع المرجعية العليا لكل قول، ثم يأتي التعريف بالمرسل من محمد رسول الله، حيث يقدم النبي صلى الله عليه وسلم صفته التي هي مبرر الكتابة، مخاطباً النجاشي ملك الحبشة بلقبه الذي يقر له فيه بالسيادة الدنيوية على قومه، وفي هذا قمة الأدب والذكاء السياسي.

أما قمة البلاغة النبوية في هذا الاستهلال فتكمن في جملة «سِلْمٌ أنت».

فمن الناحية اللغوية: «سِلم» -بكسر السين وسكون اللام- تحمل دلالة أعمق من التحية العابرة، إنها إخبار بالأمان، وتأكيد على أن دعوة الإسلام ليست حربًا على الملوك، بل هي سلام يغشى النفس والمملكة.

وبلاغياً فتقديم الخبر «سِلم» على المبتدأ أنت يفيد الحصر والاهتمام، وكأنه يقول: الأمان هو صفتك وحالك عندنا، وفيها استمالة لقلب النجاشي الذي عُرف بالعدل وحماية المستضعفين.

ثم يأتي قوله صلى الله عليه وسلم: «فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو» باستخدام حرف الجر إليك ليقتضي تضمينًا لغويًا بديعًا؛ أي: أنهي إليك حمدي لله، أو أشاركك في حمد الله، ثم يسرد صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء هي: «الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن»، توزيع هذه الأسماء في مخاطبة ملك له دلالات سياسية وعقدية:

  • الملك والقدوس: تذكير بأن المُلْك البشري مهما عظم فهو محتاج لتقديس الله وتنزهه.
  • السلام والمؤمن: المؤمن هنا بمعنى مصدق رسله أو واهب الأمان، وهي تتسق مع السلام لتعزيز قيمة الطمأنينة في قلب ملك الحبشة.
  • المهيمن: وهو الاسم الذي يحسم قضية المرجعية؛ فالله هو الرقيب والمسيطر فوق كراسي العروش جميعًا.

عيسى عليه السلام.. بلاغة الكلمة والروح

هنا نصل إلى أدق جزء في الرسالة، حيث يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في جوهر معتقده، يقول: «وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة»؛ فقد تضمنت هذه الجملة النبوية:

1- الثناء على السيدة مريم: وصفها بـ«البتول» (المنقطعة للعبادة)، و«الطيبة» (الطاهرة المنزهة)، و«الحصينة» (التي صانت نفسها)، هذه الأوصاف الثلاثة ليست مجرد نعوت، بل هي دفاع نبوي استباقي عن عرض مريم عليها السلام، وهو خطاب يقع من نفس النجاشي (النصراني) موقع التقدير والإجلال.

2- «فحملت بعيسى»: استخدام الفاء للتعقيب والسرعة، لبيان نفاذ إرادة الله بمجرد الكلمة.

3- القياس الكوني (عيسى وآدم): قوله صلى الله عليه وسلم: «فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده»؛ هذا من براعة الاستدلال؛ فالعرب تقول: القياس على النظير، النبي صلى الله عليه وسلم يزيل غرابة خلق عيسى بذكر خلق آدم؛ فمن خلق الإنسان الأول من عدم، قادر على خلق عيسى من أم بلا أب، هنا يلتقي النقل بالعقل في جملة واحدة محكمة.

إستراتيجية الدعوة والإعذار

ينتقل النص النبوي من التنظير العقدي إلى الطلب المباشر: «وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته»، ومن الملامح البلاغية في هذه الجملة النبوية المباركة:

1- «الموالاة على طاعته»: تعبير سياسي بلغة إيمانية، فالموالاة تعني التحالف والنصرة، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يطلب من النجاشي أن يجعل سلطانه ومملكته في صف الطاعة لله.

2- «وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني»: هنا وضوح النبوة؛ فلا يكفي الإيمان بالله، بل لا بد من اتباع الرسول الخاتم.

3- «وجنودك»: لم يكتفِ بدعوة الملك وحده، بل دعاه مع مؤسسته العسكرية والسياسية، وهذا تقدير لمكانة الملك وتأثيره في رعيته.

أدب النصيحة وفصل الخطاب

تختتم الرسالة بلهجة فيها حسم وحرص: «وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي».

النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح له، وباستخدام هذا اللفظ، يخرج النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب من دائرة التهديد إلى دائرة الإشفاق والمحبة.

«والسلام على من اتبع الهدى»: خاتمة بلاغية تفتح الباب ولا تغلقه.

«الهدى» معرفة بـ«أل» العهدية، أي الهدى الذي جاءت به هذه الرسالة، وهي تعريض بليغ بأن السلام الحقيقي والمطلق لا يناله إلا من سلك طريق الحق الذي وضحته الرسالة.

الخصائص الفنية والجمالية

إذا تأملنا النص ككتلة واحدة، نلاحظ ملامح البلاغة النبوية في الآتي:

1- التوازن الإيقاعي: جمل الرسالة قصيرة، متوازنة، تنتهي بفواصل طبيعية غير متكلفة (القدوس، المهيمن / طاعته، جاءني / نصحت، نصيحتي)، وهو ما يعطيها جرسًا موسيقيًا يسهل حفظه وترديده.

2- السهل الممتنع: الألفاظ مستقاة من القاموس المشترك بين الأديان (الروح، الكلمة، البتول، القدوس)، وهو ما يجعل الرسالة عابرة للثقافات ومفهومة للمخاطب فور قراءتها.

3- التكثيف الدلالي: الرسالة لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها لخصت: أركان التوحيد، قصة الخلق، مكانة المسيح، دعوة الإسلام، ومستقبل العلاقة مع النجاشي.

إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت روحًا دبت في جسد العلاقات الدولية آنذاك، بفضل هذه البلاغة وهذا الصدق، لم يجد النجاشي بُدًّا من أن يفيض دمعُه ويقول: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.

هذا هو سحر البيان النبوي؛ حيث لا تملك العقول أمام حجته إلا الإذعان، ولا تملك القلوب أمام رقته إلا الانفتاح، لقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم بمداد الوحي، فبقيت رسالته دستورًا لكل داعية وأديب يريد أن يخاطب العالم بلغة الحق والجمال.

 


اقرأ أيضاً:

 -روعة الاستهلال وجوامع الكلم.. قراءة بلاغية في ثنائية الصبر والشكر

- تجليات البيان النبوي في القيادة التربوية والإرشادية

بين ظلال الطير وسكون اليقين.. قراءة أسلوبية في بلاغة التوكل بين الوحيين 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة