جوانب التربية النبوية للمرأة المسلمة

تدفق الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم يحمل بين طياته جوانب الإسلام، من عقيدة وشريعة وأخلاق؛ ليخاطب بها البشر جميعاً، ومن بينهم فصيل أراد الله تعالى رفع مكانته بعد وضع البشر له، والعناية به بعد إعراض الناس عنه، وتكريمه بعد استخفاف الخلق به، هذا الفصيل هو النساء، فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايتهم وعلو شأنهم والاهتمام بهم، وقد شمل حرصه على هداية النساء جوانب عدة، منها ما يلي:

أولاً: جانب العقيدة:

جعل النبي صلى الله عليه وسلم أول ركن من أركان البيعة عدم الشرك بالله، ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) (الممتحنة: 12) لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن.

وفي صحيح مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة)، قالت عائشة: فمن أقرت بهذا من المؤمنات فقد أقرت بالمحنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن: «انطلقن فقد بايعتكن»(1).

ففي هذه البيعة يتضح كمال حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية النساء إلى الإيمان بالله وحده وعدم الإشراك به، فبالإيمان تنال المرأة رضا ربها وتتميز بالخيرية التي ذكرها الله تعالى في قوله: (وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة: 221).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتفي باعتقاد القلب، بل كان يسمع الإقرار باللسان، فعند الإمام أحمد عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي أن أمّه أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: عندي جارية سوداء نوبية فأعتقها؟ فقال: «ائت بها»، فدعوتها فجاءت، فقال لها: «من ربك؟»، قالت: الله، قال: «من أنا؟»، فقالت: النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟»، قالت: نعم، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة».

ثانياً: جانب الشريعة:

ويقصد به أوامر الله ونواهيه التي تسلكها الجوارح لتنال صلاح أمرها في دنياها وآخرتها، وجانب التشريع يشمل العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات والعقوبات والأيْمان والنذور، لكن يُقتصر المثال على العبادة.

فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على طهارة المرأة وحفاظها على الصلاة، ففي الطهارة قد أرشد النساء إلى النظافة والطهارة، ففي صحيح مسلم أن أم سليم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من ‌غسل ‌إذا ‌احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ فقال: «تربت يداك، فبم يشبهها ولدها».  

والسُّنة في حق المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيئاً من مسك فتجعله في ‌قطنة أو خرقة أو نحوها وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها، ويستحب هذا للنفساء أيضاً؛ لأنها في معنى الحائض، ويستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تطيب جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها(2).

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى حفاظهن على الصلاة في أوقاتها، فعن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر، تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين، وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله ‌مساجد ‌الله».

هذا الحديث عام في النساء، إلا أن الفقهاء خصصوه بشروط منها: ألا تتطيب، وليخرجن تفلات؛ أي غير متطيبات، ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال.

ثالثاً: جانب الأخلاق:

إن صور الأخلاق التي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على دعوة النساء إليها كثيرة ومتنوعة، منها:

1- الصدق: روى البخاري عن أسماء أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرة، فهل عليّ جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعط كلابس ‌ثوبي ‌زور»، فهنا يحذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء من الكذب حين تدّعي أن زوجها يعطيها وهو في الواقع لم يعطها كيداً في ضرتها.

وعند ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد قالت: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بطعام، فعرض علينا، فقلنا: لا نشتهيه، فقال: «لا تجمعن جوعاً وكذباً»، وهنا تزعم المرأة أنها في غير حاجة إلى الطعام وهي كاذبة، فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب، والنهي عن الكذب ما هو إلا دعوة للتحلي بخلق الصدق.

2- الصبر: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس خلق الصبر في قلوب النساء لحاجتهن إليه في كل أمور حياتهن، من عبادات ومعاملات وابتلاءات، ومن رعاية للأولاد والزوج والآباء والأمهات والإخوة والأخوات، والابتعاد عن مزالق الشيطان.

فعن أنس بن مالك قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري»، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت بابه، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند ‌الصدمة ‌الأولى».

وهنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة عن الجزع الذي يخالف الصبر؛ لما للصبر من أهمية عظيمة؛ لأن مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة ‌تزعزع ‌القلب وتزعجه بصدمتها، فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر.

وأيضاً، فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهي الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها وعلم أنه لا بد له منها فيصير صبره شبيه الاضطرار، وهذه المرأة لما علمت أن جزعها لا يجدي عليها شيئاً جاءت تعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنها تقول له: قد صبرت، فأخبرها أن الصبر إنما هو عند الصدمة الأولى(3).

ولهذا، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أجر الصابرين، ففي البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني ‌أتكشف، فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: أصبر، فقالت: إني ‌أتكشف، فادع الله ألا ‌أتكشف، فدعا لها.

فهذه المرأة جاءت تشكو الصرع والتكشف وتطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لها بمحو الصرع والتكشف، فخيّرها بين الصبر والدعاء، فاختارت المرأة الصبر لعظم الأجر، والدعاء للتكشف، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم ألا تتكشف.

اقرأ أيضاً:

المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية

أسس المنهج التربوي النبوي

_________________

الهوامش

(1) تفسير القرطبي (18/ 71).

(2) شرح النووي (4/ 13).

(3) عدة الصابرين، ص 104.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة